فهرس الكتاب

الصفحة 2554 من 3896

وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَصِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَالصِّيَامِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ مَوْقُوفًا عَلَى وُجُودِ الْغُسْلِ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَائِضًا فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ طَاهِرًا ; لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ عَلَى التَّعْيِينِ، فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخِرِ.

(5960) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَحَاضَتْ حَيْضَةً، طَلُقَتْ وَاحِدَةً، فَإِذَا حَاضَتْ الثَّانِيَةَ، طَلُقَتْ الثَّانِيَةَ عِنْدَ طُهْرِهَا مِنْهَا. وَإِنْ قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ إذَا حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. لَمْ تَطْلُق الثَّانِيَةَ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ; لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ، فَتَقْتَضِي حَيْضَتَيْنِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى، لِكَوْنِهِمَا مُرَتَّبَتَيْنِ عَلَيْهَا.

(5961) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إذَا حِضْت نِصْفَ حَيْضَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ. طَلُقَتْ إذَا ذَهَبَ نِصْفُ الْحَيْضَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إذَا حَاضَتْ نِصْفَ عَادَتِهَا، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَعَلَّقَتْ بِالْعَادَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِهَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَتَّى يَمْضِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ ; لِأَنَّنَا لَا نَتَيَقَّنُ مُضِيَّ نِصْفِ الْحَيْضَةِ إلَّا بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَطْهُرَ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَتَى طَهُرَتْ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي نِصْفِ الْحَيْضَةِ. وَقِيلَ: يَلْغُو قَوْلُهُ: نِصْفِ حَيْضَةٍ. وَيَبْقَى طَلَاقُهَا مُعَلَّقًا بِوُجُودِ الْحَيْضِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; فَإِنَّ الْحَيْضَ لَهُ مُدَّةٌ، أَقَلُّهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَهُ نِصْفٌ حَقِيقَةً، وَالْجَهْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ، وَتَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِهِ، كَالْحَمْلِ.

(5962) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إذَا حِضْتُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ. لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ. كَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . أَيْ: اجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَمَانِينَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِحَيْضِ إحْدَاهُمَا حَيْضَةً ; لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُمَا، وَجَبَتْ إضَافَته إلَى إحْدَاهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} . وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْغُو قَوْلُهُ: حَيْضَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّ حَيْضَةً وَاحِدَةً مِنْ امْرَأَتَيْنِ مُحَالٌ، فَيَبْقَى كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.

وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ، لَا تَنْعَقِدُ هَذِهِ الصِّفَةُ ; لِأَنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ، فَتَصِيرُ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْمُكَلَّفِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَحْمَلٍ سَائِغٍ، وَتَبْعِيد لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَالْيَقِينُ بَقَاءُ النِّكَاحِ، فَلَا يَزُولُ حَتَّى يُوجَدَ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ يَقِينًا، وَغَيْرُ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ. فَإِنْ أَرَادَ بِكَلَامِهِ أَحَدَ هَذِهِ الْوُجُوهِ، حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ، قُبِلَ مِنْهُ. وَإِذَا قَالَ: أَرَدْت أَنْ تَكُونَ الْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُمَا، فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِمُسْتَحِيلِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْغُوَ قَوْلُهُ: حَيْضَةً. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَا تُوجَدُ، فَلَا يُوجَدُ مَا عُلِّقَ عَلَيْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ، وَيَلْغُوَ الشَّرْطُ، بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت