فهرس الكتاب

الصفحة 2548 من 3896

فَجَزَمَ بِهَا كَمَا يَجْزِمُ بِأَنْ، وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَتَى وَإِنْ، وَإِذَا احْتَمَلَتْ الْأَمْرَيْنِ، فَالْيَقِينُ بَقَاءُ النِّكَاحِ، فَلَا يَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهَا اسْمٌ لَزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَتَكُونُ كَمَتَى.

وَأَمَّا الْمُجَازَاةُ بِهَا فَلَا تُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا، فَإِنَّ مَتَى يُجَازَى بِهَا أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ:

مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ

و"مَنْ"يُجَازَى بِهَا أَيْضًا، وَكَذَلِكَ"أَيُّ"وَسَائِرُ الْحُرُوفِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلَّا كُلَّمَا، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي"مَتَى"أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:

مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِد

أَيْ: فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِيه ; لِأَنَّهَا اسْمُ زَمَنٍ بِمَعْنَى أَيَّ وَقْتٍ، وَبِمَعْنَى إذَا، فَلَا تَقْتَضِي مَا لَا يَقْتَضِيَانِهِ، وَكَوْنُهَا تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ فِي بَعْضِ أَحْيَانِهَا، لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَهَا فِي غَيْرِهِ، مِثْلُ إذَا وَأَيَّ وَقْتٍ، فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْأَمْرَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. وَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} . {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا} . وَقَالَ الشَّاعِرُ:

قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ سَارُوا إلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا

وَكَذَلِكَ أَيَّ وَقْتٍ وَأَيَّ زَمَانٍ، فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلتَّكْرَارِ، وَسَائِرُ الْحُرُوفِ يُجَازَى بِهَا، إلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ وَغَيْرِهِ، لَا تُحْمَلُ عَلَى التَّكْرَارِ إلَّا بِدَلِيلٍ، كَذَلِكَ مَتَى.

(5952) فَصْلٌ: وَهَذِهِ الْحُرُوفُ إذَا تَقَدَّمَ جَزَاؤُهَا عَلَيْهَا، لَمْ تَحْتَجْ إلَى حَرْفٍ فِي الْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ. وَإِنْ تَأَخَّرَ جَزَاؤُهَا، احْتَاجَتْ فِي الْجَزَاءِ إلَى حَرْفِ الْفَاءِ إذَا كَانَ جُمْلَةً مِنْ مُبْتَدَإٍ وَخَبَرٍ، كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَإِنَّمَا اُخْتُصَّتْ بِالْفَاءِ لِأَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ، فَتَرْبِطُ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَشَرْطِهِ، وَتَدُلُّ عَلَى تَعْقِيبِهِ بِهِ. فَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ. لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ. وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: تَطْلُقُ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِدُخُولِ الدَّارِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعَلَّقُ بِالْفَاءِ، وَهَذِهِ لَا فَاءَ فِيهَا، فَيَكُونُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ أُتِيَ بِحَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْلِيقَ بِهِ، وَإِنَّمَا حَذَفَ الْفَاءَ وَهِيَ مُرَادَةٌ، كَمَا يُحْذَفُ الْمُبْتَدَأُ تَارَةً، وَيُحْذَفُ الْخَبَرُ أُخْرَى، لِدَلَالَةِ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَذْفُ الْفَاءِ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ. فَقَدَّمَ الشَّرْطَ، وَمُرَادُهُ التَّأْخِيرُ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى فَائِدَةٍ، وَتَصْحِيحُهُ عَنْ الْفَسَادِ، وَجَبَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَصْحِيحُهُ، وَفِيمَا ذَكَرُوهُ إلْغَاؤُهُ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ. وَقَعَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت