أَبِي بَكْرٍ، فِي"جُزْءٍ مُفْرَدٍ"، أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ. طَلَقَتْ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ. لَمْ يَقَعْ ; لِأَنَّ أَمْسِ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِ، وَقَبْلَ تَزْوِيجِهَا مُتَصَوِّرُ الْوُجُودِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا، وَهَذَا الْوَقْتُ قَبْلَهُ، فَوَقَعَ فِي الْحَالِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ. وَإِنْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أُمْسِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ. إيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ، مُسْتَنِدًا إلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَقَعَ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا هُوَ، أَوْ زَوْجٌ قَبْلَهُ، فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَكَانَ قَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ، وَقَعَ طَلَاقُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْوُجُودَ. وَإِنْ أَرَادَ أَنِّي كُنْتُ طَلَّقْتُك أَمْسِ. فَكَذَّبَتْهُ، لَزِمَتْهُ الطَّلْقَةُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِهَا ; لِأَنَّهَا اعْتَرَفَتْ أَنَّ أَمْسِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِدَّتِهَا. وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مُرَادَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ; بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُطَلِّقِ، إنْ قُلْنَا: لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ. لَمْ يَلْزَمْهُ هَاهُنَا شَيْءٌ. وَإِنْ قُلْنَا بِوُقُوعِهِ ثَمَّ، وَقَعَ هَاهُنَا.
(5925) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ. فَقَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ قَبْلَ الشَّهْرِ ; لِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ بَعْدَ عَقْدِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَزُفَرُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَ قُدُومِ زَيْدٍ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَلَا يَسْبِقُ الطَّلَاقُ شَرْطَهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي زَمَنٍ عَلَى صِفَةٍ، فَإِذَا حَصَلَتْ الصِّفَةُ وَقَعَ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِكَ بِشَهْرٍ. فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَاصَّةً يُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَلَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ شَرْطًا، وَلَيْسَ فِيهِ حَرْفُ شَرْطٍ. وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ، لَمْ يَقَعْ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى صِفَةٍ كَانَ وُجُودُهَا مُمْكِنًا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا. وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ مَعَ مُضِيِّ الشَّهْرِ، لَمْ تَطْلُقْ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ. فَإِنْ خَالَعَهَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِيَوْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ الْخُلْعِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْخُلْعَ وَقَعَ صَحِيحًا، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّهُ صَادَفَهَا بَائِنًا. وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَبَطَلَ الْخُلْعُ، وَلَهَا الرُّجُوعُ بِالْعِوَضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ; لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَصِحُّ خُلْعُهَا.وَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ بِيَوْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ قَدْ وَقَعَ قَبْلَ مَوْتِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا، فَلَمْ يَرِثْهُ صَاحِبُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّوَارُثَ، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
فَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِالْمَوْتِ، وَلَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ. فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ. فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي الْمَاضِي. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَلَمْ يَتَوَارَثَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَيَمُوتَ فِي عِدَّتِهَا. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي. وَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا، طَلَقَتْ فِي الْحَالِ ; لِأَنَّ مَا قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ، فَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ. وَإِنْ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِكَ أَوْ مَوْتِ زَيْدٍ. فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ، أَوْ قَبْلَ دُخُولِكِ الدَّارَ. فَقَالَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ فِي الْحَالِ، سَوَاءٌ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ ; بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا