فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 3896

وَلَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ يَبْدُو عِنْدَ الْفَجْرِ كَالْهِلَالِ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهُ بِاخْتِلَافِ مَنَازِلِهِ.

(619) فَصْلٌ: وَالرِّيَاحُ كَثِيرَةٌ يُسْتَدَلُّ مِنْهَا بِأَرْبَعٍ، تَهُبُّ مِنْ زَوَايَا السَّمَاءِ ; الْجَنُوبُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ، مُسْتَقْبِلَةً بَطْنَ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ، مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ إلَى يَمِينِهِ، وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشَّمَالِ ; مَارَّةً إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ.

وَالدَّبُورُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْيَمَنِ، مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ، مَارَّةً إلَى الزَّاوِيَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا. وَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا، تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي. وَرُبَّمَا هَبَّتْ الرِّيَاحُ بَيْنَ الْحِيطَانِ وَالْجِبَالِ فَتَدُورُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا.

وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ، لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ، وَتُعْرَفُ الرِّيَاحُ بِصِفَاتِهَا وَخَصَائِصِهَا، فَهَذَا أَصَحُّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ.

وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِدْلَالَ بِالْمِيَاهِ، وَقَالُوا: الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ كُلُّهَا تَجْرِي عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ ; لِأَنَّهَا تَحْدُثُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ إلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا بِالسَّوَاقِي وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ ; لِأَنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا، وَلَا بِنَهْرَيْنِ يَجْرِيَانِ مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَمِينِهِ، أَحَدُهُمَا الْعَاصِي بِالشَّامِ، وَالثَّانِي سَيْحُونُ بِالْمَشْرِقِ.

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطٍ ; فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَنْهَارِ الشَّامِ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، فَالْأُرْدُنُّ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ، حَيْثُ كَانَ مِنْهَا حَتَّى يَصُبَّ فِيهِ. وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّامِ سِوَى الْعَاصِي، وَالْفُرَاتُ حَدُّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ.

فَمَنْ عَلِمَ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بِأَدِلَّةٍ تَخْتَصُّ بِبَلْدَتِهِمْ ; مِنْ جِبَالِهَا، وَأَنْهَارِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِثْلُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ جَبَلًا بِعَيْنِهِ يَكُونُ فِي قِبْلَتِهِمْ، أَوْ عَلَى أَيْمَانِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَاتِ. وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَ مَجْرَى نَهْرٍ بِعَيْنِهِ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ، وَلَمْ يَجِدْ مُخْبِرًا، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى جِهَةٍ يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا.

فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ لِغَيْمٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، تَحَرَّى فَصَلَّى، وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ ; لِمَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَدِلَّتِهِ، فَأَشْبَهَ الْحَاكِمَ وَالْعَالِمَ إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ.

(620) فَصْلٌ: إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ، ثُمَّ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، كَالْحَاكِمِ إذَا اجْتَهَدَ فِي حَادِثَةٍ، ثُمَّ حَدَثَ مِثْلُهَا، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، عَمِلَ بِالثَّانِي، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ عَمِلَ بِالثَّانِي فِي الْحَادِثَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ الْأَوَّلَ. وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الصَّلَاةِ، اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْآمِدِيُّ: لَا يَنْتَقِلُ، وَيَمْضِي عَلَى اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ ; لِئَلَّا يَنْقُضَ الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ.

وَلَنَا أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى، وَلِأَنَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا، كَسَائِرِ مَحَالِّ الْوِفَاقِ، وَلَيْسَ هَذَا نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ أَنْ لَوْ أَلْزَمْنَاهُ إعَادَةَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ نَعْتَدَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت