فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 3896

فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، كَالصَّلَاةِ كُلِّهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ، فَسَقَطَ، وَخَبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْمَلُ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالنَّدْبِ.

(609) فَصْلٌ: وَقِبْلَةُ هَذَا الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَتْ وِجْهَتُهُ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهَا نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ عُدُولُهُ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، جَازَ ; لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُهَا لِلْعُذْرِ، فَإِذَا عَدَلَ إلَيْهَا أَتَى بِالْأَصْلِ، كَمَا لَوْ رَكَعَ فَسَجَدَ فِي مَكَانِ الْإِيمَاءِ. وَإِنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا عَمْدًا، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَغْلُوبًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا جِهَةُ سَفَرِهِ، فَهُوَ عَلَى صَلَاتِهِ، وَيَرْجِعُ إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ عِنْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ. لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى ذَلِكَ. فَأَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ.

فَإِنْ تَمَادَى بِهِ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ عَمْدًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَمِيعِ التَّطَوُّعَاتِ فِي هَذَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، وَالْمُعَيَّنَةُ، وَالْوِتْرُ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ، وَقَدْ {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ} ، {وَكَانَ يُسَبِّحُ عَلَى بَعِيرِهِ إلَّا الْفَرَائِضَ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

(610) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَاشِي فِي السَّفَرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِي حَالِ مَشْيِهِ ; لِقَوْلِهِ:"وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا، وَلَا نَافِلَةً، إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ". وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ; فَإِنَّهُ قَالَ:: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي الْمَاشِي: يُصَلِّي، إلَّا عَطَاءً، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ الْمَاشِي. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَاشِيًا. نَقَلَهَا مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ، وَذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.

وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَنْحَرِفَ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، وَيَقْرَأَ وَهُوَ مَاشٍ، وَيَرْكَعَ ثُمَّ يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ. وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، كَالرَّاكِبِ ; لِأَنَّهَا حَالَةٌ أُبِيحَ فِيهَا تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَالرَّاكِبِ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِهِ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ، كَالْوَقْفِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي، وَلِأَنَّهُ إحْدَى حَالَتَيْ سَيْرِ الْمُسَافِرِ، فَأُبِيحَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا كَالْأُخْرَى.

وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ، وَمَشْيٍ مُتَتَابِعٍ، يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَيَقْتَضِي بُطْلَانَهَا، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الرَّاكِبِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ بِهِ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} . عَامٌّ تُرِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، بِشُرُوطٍ مَوْجُودَةٍ هَاهُنَا، فَيَبْقَى وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ.

(611) فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي بَلَدًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ فِيهِ، لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَيْهِ إلَّا صَلَاةَ الْمُقِيمِ. وَإِنْ دَخَلَهُ مُجْتَازًا بِهِ، غَيْرَ نَاوٍ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ، وَلَا نَازِلٍ بِهِ، أَوْ نَازِلًا بِهِ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ إقَامَةِ مُدَّةٍ يَلْزَمُهُ بِهَا إتْمَامُ الصَّلَاةِ، اسْتَدَامَ الصَّلَاةَ مَا دَامَ سَائِرًا، فَإِذَا نَزَلَ فِيهِ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، كَقَوْلِنَا فِي الْخَائِفِ إذَا أَمِنَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ. وَلَوْ ابْتَدَأَهَا، وَهُوَ نَازِلٌ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّكُوبَ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ، ثُمَّ رَكِبَ. وَقِيلَ: يَرْكَبُ فِي الصَّلَاةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت