فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَ أُخْرَى، وَأَرَادَ السَّفَرَ بِهِمَا جَمِيعًا، قَسَمَ لِلْجَدِيدَةِ سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَثَلَاثًا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، ثُمَّ يَقْسِمُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَدِيمَةِ. وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُمَا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْجَدِيدَةِ، سَافَرَ بِهَا مَعَهُ، وَدَخَلَ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ ; لِأَنَّهُ نَوْعُ قَسْمٍ. وَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِلْأُخْرَى، سَافَرَ بِهَا، فَإِذَا حَضَرَ، قَضَى لِلْجَدِيدَةِ حَقَّ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ، وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَسَافَرَ بِاَلَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ، وَيَدْخُلُ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ، فَإِذَا قَدِمَ، قَضَى لِلثَّانِيَةِ حَقَّ الْعَقْدِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهَا قَبْلَ سَفَرِهِ، لَمْ يُؤَدِّهِ إلَيْهَا، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالْأُخْرَى مَعَهُ. وَالثَّانِي، لَا يَقْضِيهِ ; لِئَلَّا يَكُونَ تَفْضِيلًا لَهَا عَلَى الَّتِي سَافَرَ بِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسَافِرَةِ مِنْ الْإِيوَاءِ وَالسَّكَنِ وَالْمَبِيتِ عِنْدَهَا، مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي الْحَضَرِ، فَيَكُونُ مَيْلًا فَيَتَعَذَّرُ قَضَاؤُهُ.
فَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْقَضِي فِيهَا حَقُّ عَقْدِ الْأُولَى، أَتَمَّهُ فِي الْحَضَرِ، وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ مِثْلَهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِيمَا زَادَ الْوَجْهَانِ. وَيَحْتَمِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ قَضَاءَ حَقِّ الْعَقْدِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَى الْمُسَافِرَةِ بِمُدَّةِ سَفَرِهَا، كَمَا لَا يَحْتَسِبُ بِهِ عَلَيْهَا فِيمَا عَدَا حَقِّ الْعَقْدِ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْعَقْدِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ بِغَيْرِ مُسْقِطٍ.
(5735) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَعْرَسَ عِنْدَ بَكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ دَارَ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا أَيْضًا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا)
مَتَى تَزَوَّجَ صَاحِبُ النِّسْوَةِ امْرَأَةً جَدِيدَةً، قَطَعَ الدُّورَ، وَأَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَلَا يَقْضِيهَا لِلْبَاقِيَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَقْضِيهَا، إلَّا أَنْ تَشَاءَ هِيَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَإِنَّهُ يُقِيمُهَا عِنْدَهَا، وَيَقْضِي الْجَمِيعَ لِلْبَاقِيَاتِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ. وَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا فَضْلَ لِلْجَدِيدَةِ فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ أَقَامَ عِنْدَهَا شَيْئًا قَضَاهُ لِلْبَاقِيَاتِ ; لِأَنَّهُ فَضَّلَهَا بِمُدَّةٍ، فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا، كَمَا لَوْ أَقَامَ عِنْدَ الثَّيِّبِ سَبْعًا.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: لَوْ شِئْت لَقُلْت: أَنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ، إنْ شِئْت سَبَّعْت لَك، وَإِنْ سَبَّعْت لَك سَبَّعْت لِنِسَائِي} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ: {وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْت ثُمَّ دُرْت} . وَفِي لَفْظٍ: {وَإِنْ شِئْت زِدْتُك، ثُمَّ حَاسَبْتُك بِهِ، لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ} ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ: {إنْ شِئْت أَقَمْت عِنْدَك ثَلَاثًا خَالِصَةً لَك، وَإِنْ شِئْت سَبَّعْت لَك، ثُمَّ سَبَّعْت لِنِسَائِي.}
وَهَذَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُمْ. وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ خَالَفَنَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مِنْ أَدْلَى بِالسُّنَّةِ