فهرس الكتاب

الصفحة 2418 من 3896

مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَعَلَى مَنْ دُعِيَ أَنْ يُجِيبَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَى الْوَلِيمَةِ لِمَنْ دُعِيَ إلَيْهَا، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَهْوٌ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ: هِيَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ; لِأَنَّ الْإِجَابَةَ إكْرَامٌ وَمُوَالَاةٌ، فَهِيَ كَرَدِّ السَّلَامِ.

وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا} . وَفِي لَفْظٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيتُمْ إلَيْهَا} . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ; يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. رَوَاهُنَّ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا عَامٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَيْ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ الَّتِي يُدْعَى إلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ كُلَّ وَلِيمَةٍ طَعَامُهَا شَرُّ الطَّعَامِ ; فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمَا أَمَرَ بِهَا، وَلَا نَدَبَ إلَيْهَا، وَلَا أَمَرَ بِالْإِجَابَةِ إلَيْهَا، وَلَا فَعَلَهَا ; وَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ تَجِبُ بِالدَّعْوَةِ، فَكُلُّ مَنْ دُعِيَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ.

(5665) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ عَلَى مَنْ عُيِّنَ بِالدَّعْوَةِ، بِأَنْ يَدْعُوَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ، أَوْ جَمَاعَةً مُعَيَّنِينَ. فَإِنْ دَعَا الْجَفَلَى ; بِأَنْ يَقُولَ: يَا أَيُّهَا النَّاسِ، أَجِيبُوا إلَى الْوَلِيمَةِ. أَوْ يَقُولَ الرَّسُولُ: أُمِرْت أَنْ أَدْعُوَ كُلَّ مَنْ لَقِيت، أَوْ مَنْ شِئْت. لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، وَلَمْ تُسْتَحَبُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيَّنْ بِالدَّعْوَةِ، فَلَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْصُلُ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي بِتَرْكِ إجَابَتِهِ، وَتَجُوزُ الْإِجَابَةُ بِهَذَا ; لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الدُّعَاءِ.

(5666) فَصْلٌ: وَإِذَا صُنِعَتْ الْوَلِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ، جَازَ ; فَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي، أَنَّهُ أَعْرَسَ وَدَعَا الْأَنْصَارَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. وَإِذَا دُعِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَجَبْت الْإِجَابَةُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي تُسْتَحَبُّ الْإِجَابَةُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَا تُسْتَحَبُّ. قَالَ أَحْمَدُ: الْأُوَلُ يَجِبُ، وَالثَّانِي إنْ أَحَبَّ، وَالثَّالِثُ فَلَا. وَهَكَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَالثَّالِثُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب أَيْضًا. وَدُعِيَ سَعِيدٌ إلَى وَلِيمَةٍ مَرَّتَيْنِ فَأَجَابَ، فَدُعِيَ الثَّالِثَةَ، فَحَصَبَ الرَّسُولَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْخَلَّالُ.

(5667) فَصْلٌ: وَالدُّعَاءُ إلَى الْوَلِيمَةِ إذْنٌ فِي الدُّخُولِ وَالْأَكْلِ ; بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ، فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَذَلِكَ إذْنٌ لَهُ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إذَا دُعِيت فَقَدْ أُذِنَ لَك. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ.

(5668) فَصْلٌ: فَإِنْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَجِبُ إجَابَتُهُ ; لِأَنَّ الْإِجَابَةَ لِلْمُسْلِمِ لِلْإِكْرَامِ وَالْمُوَالَاةِ وَتَأْكِيدِ الْمَوَدَّةِ وَالْإِخَاءِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ اخْتِلَاطَ طَعَامِهِمْ بِالْحَرَامِ وَالنَّجَاسَةِ، وَلَكِنْ تَجُوزُ إجَابَتُهُمْ ; لِمَا رَوَى أَنَسٌ، أَنْ يَهُودِيًّا {دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى خُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، فَأَجَابَهُ} . ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي"الزُّهْدِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت