فَأَمَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفٌ وَأَنَّهُمَا يَعْقِدَانِ الْعَقْدَ بِأَلْفَيْنِ تَجَمُّلًا، فَفَعَلَا ذَلِكَ فَالْمَهْرُ أَلْفَانِ ; لِأَنَّهَا تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَوَجَبَتْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا اتِّفَاقٌ عَلَى خِلَافِهَا.
وَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ مِنْ جِنْسِ الْعَلَانِيَةِ، نَحْوُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ أَلْفًا وَالْعَلَانِيَةُ أَلْفَيْنِ، أَوْ يَكُونَا مِنْ جِنْسَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَالْعَلَانِيَةُ مِائَةَ دِينَارٍ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْعَلَانِيَةِ. فَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفِيَ لِلزَّوْجِ بِمَا وَعَدَتْ بِهِ، وَشَرَطَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، مِنْ أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ إلَّا مَهْرَ السِّرِّ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي السِّرِّ بِمَهْرٍ، وَأَعْلَنُوا مَهْرًا، يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفُوا، وَيُؤْخَذَ بِالْعَلَانِيَةِ.
فَاسْتَحَبَّ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، لِئَلَّا يَحْصُلَ مِنْهُمْ غُرُورٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ.} وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ عَقْدًا فِي السِّرِّ انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ، فِيهِ مَهْرٌ قَلِيلٌ، فَصَدَّقَتْهُ، فَلَيْسَ لَهَا سِوَاهُ، وَإِنْ أَنْكَرَتْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ. وَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ، وَقَالَتْ: هُمَا مَهْرَانِ فِي نِكَاحَيْنِ. وَقَالَ: بَلْ نِكَاحٌ وَاحِدٌ، أَسْرَرْنَاهُ ثُمَّ أَظْهَرْنَاهُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالْأَوَّلِ، وَلَهَا الْمَهْرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي، وَنِصْفُ الْمَهْرِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، إنْ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ، سُئِلَتْ الْمَرْأَةُ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ نَكَحَهَا نِكَاحًا ثَانِيًا، حَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَحَقَّتْ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يُسْقِطُ نِصْفَ الْمَهْرِ أَوْ جَمِيعَهُ، لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ.
(5639) فَصْلٌ إذَا تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُنَّ وَلِيٌّ وَاحِدٌ كَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ، أَوْ مَوْلَيَاتٌ لِمَوْلَى وَاحِدٍ، أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُنَّ وَلِيٌّ، فَزَوَّجَهُنَّ الْحَاكِمُ، أَوْ كَانَ لَهُنَّ أَوْلِيَاءٌ فَوَكَّلُوا وَكِيلًا وَاحِدًا، فَعَقَدَ نِكَاحَهُنَّ مَعَ رَجُلٍ، فَقَبِلَهُ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَالْمَهْرُ صَحِيحٌ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَهُوَ أَشْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي، أَنَّ الْمَهْرَ فَاسِدٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ مَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ الْمَهْرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وَلَنَا، أَنَّ الْفَرْضَ فِي الْجُمْلَةِ مَعْلُومٌ، فَلَا يَفْسُدُ لِجَهَالَتِهِ فِي التَّفْصِيلِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ مِنْ رَجُلٍ بِثَمَنِ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الصُّبْرَةُ بِثَمَنِ وَاحِدٍ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ قَفَزَانِهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الصَّدَاقَ يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَابْنِ حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ ; لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِنَّ إضَافَةً وَاحِدَةً، فَكَانَ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوَاءِ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُنَّ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ لَهُنَّ، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى جَمَاعَةٌ ثَوْبًا بِأَثْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ بَاعُوهُ مُرَابَحَةً أَوْ مُسَاوَمَةً، كَانَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ رُءُوسُ أَمْوَالِهِمْ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَقْسِيطِهِ يُفْضِي إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَذَلِكَ يُفْسِدُهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الصَّفْقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفِي الْقِيمَةِ، فَوَجَبَ تَقْسِيطُ الْعِوَضِ عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا، أَوْ كَمَا لَوْ ابْتَاعَ عَبْدَيْنِ، فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ، فِي مِنْ ابْتَاعَ عَبْدَيْنِ، فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَكَذَلِكَ نَصَّ فِي مَنْ تَزَوَّجَ عَلَى جَارِيَتَيْنِ، فَإِذَا إحْدَاهُمَا حُرَّةٌ، أَنَّهُ يَرْجِعُ