وَالثَّانِي يُبَاحُ لَهُ تَعْلِيمُهَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ بِهَا، كَمَا يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ كَلَامِهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَفِي تَعْلِيمِهَا السُّورَةَ الْوَجْهَانِ. وَإِنْ أَصْدَقَهَا رَدَّ عَبْدِهَا مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ الرَّدِّ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ الرَّدِّ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ نِصْفُ الرَّدِّ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الرَّدِّ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِهِ.
(5562) فَصْلٌ: وَلَوْ أَصْدَقَ الْكِتَابِيَّةَ تَعْلِيمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} وَلَنَا أَنَّ الْجُنُبَ يُمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مَعَ إيمَانِهِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ حَقٌّ فَالْكَافِرُ أَوْلَى، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ} فَالتَّحَفُّظُ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ، فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا ; فَإِنَّ السَّمَاعَ غَيْرُ الْحِفْظِ وَإِنْ أَصْدَقَهَا أَوْ أَصْدَقَ الْمُسْلِمَةَ تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَمْ يَصِحّ فِي الْمَذْهَبَيْنِ ; لِأَنَّهُ مُبَدِّلٌ مُغَيِّرٌ.
وَلَوْ أَصْدَقَ الْكِتَابِيُّ الْكِتَابِيَّةَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا مُحَرَّمًا.
(5563) الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الصَّدَاقَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَرَضُوا بِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الْعَلَائِقُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ} ; وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيُعْتَبَرُ رِضَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.
فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ الْأَبَ فَمَهْمَا اتَّفَقَ هُوَ وَالزَّوْجُ عَلَيْهِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَلِذَلِكَ زَوَّجَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَتَهُ وَجَعَلَا الصَّدَاقَ إجَارَةَ ثَمَانِي حِجَجٍ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ الْأَبِ اُعْتُبِرَ رِضَى الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَهَا وَهُوَ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا فَأَشْبَهَ أَجْرَ دَارِهَا وَصَدَاقَ أَمَتِهَا. فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهَا الْوَلِيُّ فِي الصَّدَاقِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ إنْ جُعِلَ الصَّدَاقُ مَهْرَ الْمِثْلِ فَمَا زَادَ صَحَّ وَلَزِمَ، وَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
(5564) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا مَالًا ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفٌ يُتَمَوَّلُ عَادَةً، بِحَيْثُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَقِيَ لَهَا مِنْ النِّصْفِ مَالٌ حَلَالٌ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: لَهُ نِصْفٌ يُحَصَّلُ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، كَالْمُحَرَّمِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ كَالْمَبِيعِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَمَا لَا يُتَمَوَّلُ عَادَةً كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ وَقِشْرَةِ جَوْزَةٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا ; لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهِ بِعِوَضٍ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَالْمَبِيعِ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ مِمَّا يُتَمَوَّلُ عَادَةً وَيُبْذَلُ الْعِوَضُ فِي مِثْلِهِ عُرْفًا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَعْرِضُ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا يَبْقَى لِلْمَرْأَةِ إلَّا نِصْفُهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَبْقَى لَهَا مَالٌ تَنْتَفِعُ بِهِ. وَيُعْتَبَرُ نِصْفُ الْقِيمَةِ، لَا نِصْفُ عَيْنِ الصَّدَاقِ ; فَإِنَّهُ لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا جَازَ، وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ قِسْمَتُهُ.