رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ، أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيُغْلِيَ بِصَدَقَةِ امْرَأَتِهِ، حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي قَلْبِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ: كُلِّفْت لَكُمْ عِلْقَ الْقِرْبَةِ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد مُخْتَصَرًا. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: {سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَدَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ثَنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشُّ. فَقُلْت: وَمَا نَشُّ ؟ قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةِ.} أَخْرَجَاهُ أَيْضًا.
وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّهُ إذَا كَثُرَ رُبَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، فَيَتَعَرَّضُ لِلضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
(5553) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، أَوْ أُجْرَةً فِي الْإِجَارَةِ، مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، وَالْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ، وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَمَنَافِعِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِمَا، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَنْكِحُوا الْأَيَامَى، وَأَدُّوا الْعَلَائِقَ. قِيلَ: مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ، وَلَوْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ} . وَرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنَافِعُ الْحُرِّ لَا تَكُونُ صَدَاقًا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} . وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ يَجُوزُ الْعِوَضُ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ، فَجَازَتْ صَدَاقًا، كَمَنْفَعَةِ الْعَبْدِ. وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَتْ مَالًا. مَمْنُوعٌ ; فَإِنَّهَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا وَبِهَا. ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ مَالًا، فَقَدْ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْمَالِ فِي هَذَا، فَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ.
وَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا، عَنْ أَحْمَدَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا ؟ قِيلَ لَهُ: فَامْرَأَةٌ يَكُونُ لَهَا ضِيَاعٌ وَأَرْضُونَ، لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَعْمُرَهَا ؟، قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ مَعْلُومَةً جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً لَا تَنْضَبِطُ فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا. كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ مَسْأَلَةَ مُهَنَّا عَلَى أَنَّ الْخِدْمَةَ مَجْهُولَةٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّزْوِيجُ عَلَى بِنَاءِ الدَّارِ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، وَعَمَلِ شَيْءٍ، جَائِزٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا كَالْأَعْيَانِ. وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَأْتِيَهَا بِعَبْدِهَا الْآبِقِ مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ، صَحَّ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ. وَإِنْ أَصْدَقَهَا الْإِتْيَانَ بِهِ أَيْنَ كَانَ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
(5554) فَصْلٌ: وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِهَا، لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو عُبَيْدٍ: يَصِحُّ، وَلَنَا أَنَّ الْحُمْلَانَ مَجْهُولٌ، لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى حَدٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا شَيْئًا. فَعَلَى هَذَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ.
(5555) فَصْلٌ: وَإِنْ أَصْدَقَهَا خِيَاطَةَ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ، فَهَلَكَ الثَّوْبُ، لَمْ تَفْسُدْ التَّسْمِيَةُ، وَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ تَعَذُّرَ تَسْلِيمِ مَا أَصْدَقَهَا بِعَيْنِهِ لَا يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَهَلَكَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، وَيَجِبُ