وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَحَكَى الْخِرَقِيِّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ يُخَلَّى مَعَهَا، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مَاءَك عَلَى شَيْءٍ. فَإِنْ أَخْرَجَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ الْعِنِّينَ يَضْعُفُ عَنْ الْإِنْزَالِ، فَإِذَا أَنْزَلَ تَبَيَّنَّا صِدْقَهُ، فَنَحْكُمُ بِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمِنِّي، جُعِلَ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٌّ ; لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِبَيَاضِ الْبَيْضِ، وَذَاكَ إذَا وُضِعَ عَلَى النَّارِ تَجَمَّعَ وَيَبِسَ، وَهَذَا يَذُوبُ، فَيَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، فَيُخْتَبَرُ بِهِ، وَعَلَى هَذَا مَتَى عَجَزَ عَنْ إخْرَاجِ مَائِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، وَجَنْبَتُهُ أَقْوَى، فَإِنْ فِي دَعْوَاهُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ، وَسَلَامَةَ نَفْسِهِ مِنْ الْعُيُوبِ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَالْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَعَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا هَاهُنَا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ مُحْتَمِلٌ لِلْكَذِبِ، فَقَوَّيْنَا قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ، كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى الَّتِي يَسْتَحْلِفُ فِيهَا. فَإِنْ نَكِلَ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.} قَالَ الْقَاضِي: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَسْتَحْلِفَ، بِنَاءً عَلَى إنْكَارِهِ دَعْوَى الطَّلَاقِ، فَإِنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ، كَذَا هَاهُنَا. وَالصَّحِيحُ مَا قَالَ الْخِرَقِيِّ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينهَا. حَكَاهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِصَابَةِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، لِأَنَّ قَوْلَهَا مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ، وَالْيَقِينُ مَعَهَا. وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِوَطْئِهِ، بَطَلَ حُكْمُ عُنَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ضَرْبِ الْمُدَّةِ، انْقَطَعَتْ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِعَدَمِ الْوَطْءِ مِنْهُ، ثَبَتَ حُكْمُ عُنَّتِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يُزَوَّجُ امْرَأَةً لَهَا حَظٌّ مِنْ الْجَمَالِ، وَتُعْطَى صَدَاقَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَيُخَلَّى مَعَهَا، وَتُسْأَلُ عَنْهُ، وَيُؤْخَذُ بِمَا تَقُولُ، فَإِنْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ يَطَأُ، كَذَبَتْ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْفَسْخِ وَصَدَاقُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ كَذَّبَتْهُ، فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، وَصَدَاقُ الثَّانِيَةِ مِنْ مَالِهِ هَاهُنَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى سَمُرَةَ، فَشَكَتْ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهَا زَوْجُهَا، فَكَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ، أَنْ زَوِّجْهُ بِامْرَأَةِ ذَاتِ جَمَالٍ يُذْكَرُ عَنْهَا الصَّلَاحُ، وَسُقْ إلَيْهَا الْمَهْرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَنْهُ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَقَدْ كَذَبَتْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا فَقَدْ صَدَقَتْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ سَمُرَةُ، فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ فَقَالَتْ: لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ. فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَشْهَدُهُ امْرَأَتَانِ، وَيُتْرَكُ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ، وَيُجَامِعُ امْرَأَتَهُ، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا نَظَرَتَا إلَى فَرْجِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ رُطُوبَةُ الْمَاءِ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِلَّا فَلَا. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِوَاحِدَةٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْإِيلَاءِ، وَلِمَا قَدَّمْنَا.
وَاعْتِبَارُ خُرُوجِ الْمَاءِ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ، وَقَدْ يُنْزِلُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، فَإِنَّ ضَعْفَ الذَّكَرِ لَا يَمْنَعُ سَلَامَةَ الظَّهْرِ وَنُزُولَ الْمَاءِ، وَقَدْ يَعْجِزُ السَّلِيمُ الْقَادِرُ عَنْ الْوَطْءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ