فهرس الكتاب

الصفحة 2344 من 3896

قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَك ؟ قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا. قَالَ عُمَرُ: لَوْ طَلَّقْتَهَا لَأَوْجَعْت رَأْسَك بِالسَّوْطِ. وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الشَّرْطُ عَلَى الْعَقْدِ، وَلَمْ يَرَ بِهِ عُمَرُ بَأْسًا

وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ} . وَقَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحْلِيلَ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ. أَمَّا حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ، يَعْنِي أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَذْكُرْ إسْنَادَهُ إلَى عُمَرَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ مُرْسَلٌ. فَأَيْنَ هُوَ مِنْ الَّذِي سَمِعُوهُ يَخْطُبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ قَصَدَ التَّحْلِيلَ، وَلَا نَوَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ.

(5493) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِلَّهَا قَبْلَ الْعَقْدِ، فَنَوَى بِالْعَقْدِ غَيْرَ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ، وَقَصَدَ نِكَاحَ رَغْبَةٍ، صَحَّ الْعَقْدُ ; لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وَشَرْطِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ. وَإِنْ قَصَدَتْ الْمَرْأَةُ التَّحْلِيلَ أَوْ وَلِيُّهَا دُونَ الزَّوْجِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ: إذَا هَمَّ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ، فَسَدَ النِّكَاحُ

قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالتَّابِعُونَ يُشَدِّدُونَ فِي ذَلِكَ. قَالَ أَحْمَدُ: الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ؟". وَنِيَّةُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِشَيْءِ، إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ} . وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الزَّوْجِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي إلَيْهِ الْمُفَارَقَةُ وَالْإِمْسَاكُ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَمْلِكُ رَفْعَ الْعَقْدِ، فَوُجُودُ نِيَّتِهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْعَقْدِ، وَلَا مِنْ رَفْعِهِ، فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ

فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ لَعَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قُلْنَا: إنَّمَا لَعَنْهُ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا بِذَلِكَ التَّحْلِيلِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ، فَكَانَ زَانِيًا، فَاسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ لِذَلِكَ.

(5494) فَصْلٌ: فَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا، فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ، ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ لِيَنْفَسِخ النِّكَاحُ بِمِلْكِهَا لَهُ، لَمْ يَصِحَّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَأَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَاشْتَرَى عَبْدًا، فَأَعْتَقَهُ، وَزَوَّجَهَا إيَّاهُ، فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ عُمَرُ، يُؤَدَّبَانِ جَمِيعًا، وَهَذَا فَاسِدٌ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَهُوَ شِبْهُ الْمُحَلِّلِ. وَعَلَّلَ أَحْمَدُ فَسَادَهُ بِشَيْئَيْنِ ;: أَحَدُهُمَا، شَبَهُهُ بِالْمُحَلِّلِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا زَوَّجَهُ إيَّاهَا لِيُحِلَّهَا لَهُ

وَالثَّانِي، كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا، وَتَزْوِيجُهُ لَهَا فِي حَالِ كَوْنِهِ عَبْدًا أَبْلَغُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي عَدَمِ الْكَفَاءَةِ أَشَدُّ مِنْ الْمَوْلَى، وَالسَّيِّدُ لَهُ سَبِيلٌ إلَى إزَالَةِ نِكَاحِهِ مِنْ غَيْرِ إرَادَتِهِ، بِأَنْ يَهَبَهُ لِلْمَرْأَةِ، فَيَنْفَسِخَ نِكَاحُهُ بِمِلْكِهَا إيَّاهُ، وَالْمَوْلَى بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَبْدُ التَّحْلِيلَ ; لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْفَسَادِ نِيَّةُ الزَّوْجِ، لَا نِيَّةُ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَنْوِ. وَإِذَا كَانَ مَوْلَى وَلَمْ يَنْوِ التَّحْلِيلَ، فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِمُعْتِقِهِ إلَى فَسْخِ نِكَاحِهِ، فَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّتِهِ.

(5495) فَصْلٌ: وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ فَاسِدٌ، يَثْبُتُ فِيهِ سَائِرُ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ، وَلَا الْإِبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّلًا، وَسَمَّى الزَّوْجَ مُحَلَّلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت