حَامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُهَا حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا، أَوْ مَرِيضَةً لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ حَتَّى أَسْلَمَ، أَوْ تَكُونَ رُدَّتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فِي (سُنَنِهِ) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ.} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: سَمِعْت عَبْدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعْت يَزِيدَ بْنَ هَارُونُ يَقُولُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إسْنَادًا، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ.
(5434) فَصْلٌ: وَإِذَا وَقَعْت الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ، الدُّخُولِ، فَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا ; لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءِ، فَإِنْ كَانَ مُسَمًّى صَحِيحًا، فَهُوَ لَهَا ; لِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، يَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا، وَقَدْ قَبَضَتْهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ; لِأَنَّنَا لَا نَتَعَرَّضُ لِمَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ، وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ; لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَمُسْلِمَةٍ، وَلَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ صَارَتْ أَحْكَامُهُمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ
فَأَمَّا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَهُ، فَلَهَا نَفَقَةُ عِدَّتِهَا ; لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْقَاءِ نِكَاحِهَا، وَاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا، بِإِسْلَامِهِ مَعَهَا، فَكَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالرَّجْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ قَبْلَهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى اسْتِبْقَاءِ نِكَاحِهَا، وَتَلَافِي حَالِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا أَوْ لَمْ تُسْلِمْ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ تُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، فَكَيْفَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْبَائِنِ ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَلَافِيَ نِكَاحِهَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ
فَإِنْ قِيلَ: الرَّجْعِيَّةُ جَرَّتْ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِسَبَبٍ مِنْهُ، وَهَذِهِ السَّبَبُ مِنْهَا ؟ قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهَا مُضَيِّقًا، وَيُمْكِنُهُ تَلَافِيهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مَهْرُهَا جَمِيعُهُ ; لِأَنَّهُ مَا أَمْكَنَهُ تَلَافِيهِ.
(5435) فَصْلٌ: فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ، لَا يَخْلُو اخْتِلَافُهُمَا مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
(5436) : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ يَقُولَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ.
وَتَقُولُ هِيَ: بَلْ أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ صَاحِبِهِ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ.
فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ؛ إذْ يَبْعُدُ اتِّفَاقُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الظَّاهِرُ مَعَهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْيَدِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَالْفَسْخُ طَارِئٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الْأَصْلَ كَالْمُنْكِرِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ
(5437) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ يَقُولَ الزَّوْجُ: أَسْلَمْت قَبْلِي، فَلَا صَدَاقَ لَكَ.
وَتَقُولُ هِيَ: أَسْلَمْت قَبْلِي، فَلِي نِصْفُ الصَّدَاقِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ، وَالزَّوْجُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ ظَاهِرٌ فَبَقِيَ.
فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَلَا يَعْلَمَانِ عَيْنَهُ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
كَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْ، فَلَا شَيْءَ؛ لَهَا لِأَنَّهَا تَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا، فَلَا تَسْتَحِقُّ بِالشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ، وَلَا يَرْجِعُ مَعَ الشَّكِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ، وَكَذَلِكَ إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَهَذِهِ قَدْ