وَلَنَا، أَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِقْرَارَ عَلَى النِّكَاحِ، فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ، كَالرِّدَّةِ. وَعَلَى مَالِكٍ كَإِسْلَامِ الزَّوْجِ، أَوْ كَمَا لَوْ أَبَى الْآخِرُ الْإِسْلَامَ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، فَلَيْسَ لَهُ إمْسَاكُ كَافِرَةٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ، فَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهَا فِي نِكَاحِ مُشْرِكٍ. وَلَنَا، عَلَى أَنَّهَا فُرْقَةُ فَسْخٍ، أَنَّهَا فُرْقَةٌ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، فَكَانَ فَسْخًا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَأَبَتِ الْمَرْأَةُ، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ، فَكَانَتْ فَسْخًا، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ.
(5430) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْفُرْقَةَ إذَا حَصَلَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِإِسْلَامِ الزَّوْجِ، فَلِلْمَرْأَةِ نِصْفُ الْمُسَمَّى إنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةً، أَوْ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً، مِثْلُ أَنْ يُصْدِقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِإِسْلَامِ الْمَرْأَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ
وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ. وَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ قِبَلِهِ بِإِبَائِهِ الْإِسْلَامَ وَامْتِنَاعِهِ مِنْهُ، وَهِيَ فَعَلَتْ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا، فَكَانَ لَهَا نِصْفُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّتْ. وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَجُوسِيٍّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِامْرَأَتِهِ: لَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ. وَوَجْهُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ حَصَلَ بِإِسْلَامِهَا، فَكَانَتْ الْفُرْقَةُ حَاصِلَةً بِفِعْلِهَا، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ، وَيُفَارِقُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فَدَخَلَتْ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
(5431) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ. وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ. ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ اخْتِلَافُ دِينٍ
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، {أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي. فَرَدَّهَا عَلَيْهِ،} وَيُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهُمَا بِالْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، لِئَلَّا يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيَفْسُدَ النِّكَاحُ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ، كَالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ كُلِّهِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ، لَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ كُلِّ مُسْلِمَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ، إلَّا فِي الشَّاذِّ النَّادِرِ، فَيَبْطُلُ الْإِجْمَاعُ.
(5432) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْآخَرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ الْعِدَّةِ
وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَنَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ،