وَلِأَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي حُكْمِهَا، وَلَهُ سَبِيلٌ إلَى اسْتِبَاحَتِهَا، بِخِلَافِ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى وَيَسْتَبْرِئَهَا. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: الْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ. إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الثَّانِيَةَ.
وَلَنَا، أَنَّ الثَّانِيَة قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا ابْتِدَاءً. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ. لَيْسَ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ بِمَا لَوْ وَطِئَ الْأُولَى فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا، وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ. وَلَوْ وَطِئَ امْرَأَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا، سَوَاءٌ وَطِئَهَا حَرَامًا أَوْ حَلَالًا.
(5377) الْفَصْلُ السَّادِسُ: أَنَّهُ مَتَى زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ زَوَالًا أَحَلَّ لَهُ أُخْتَهَا، فَوَطِئَهَا، ثُمَّ عَادَتْ الْأُولَى إلَى مِلْكِهِ، فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا حَتَّى تُحَرَّمَ الْأُخْرَى، بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَبْقَ فِرَاشًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا. وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ صَارَتْ فِرَاشًا، وَقَدْ رَجَعَتْ إلَيْهِ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَكُونُ أُخْتُهَا فِرَاشًا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ.
فَأَمَّا إنْ اسْتَفْرَشَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا، فَإِنَّ الْمُشْتَرَاةَ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لَهُ، لَكِنْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِافْتِرَاشِ أُخْتِهَا. وَلَوْ أَخْرَجَ الْمَوْطُوءَةَ عَنْ مِلْكِهِ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْءِ أُخْتِهَا، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ، وَأُخْتُهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ أُخْتَهَا فِرَاشُهُ.
(5378) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْإِمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ الْأُخْتِ، كَحُكْمِهِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ ; لِأَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . وَمُخَالَفَةُ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} . وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ فِي الْعَقْدِ أَوْ الْوَطْءِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا.
(5379) فَصْلٌ:: وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَ أُخْتِهَا، فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا، فَقَالَ: لَا يَجْمَعُ بَيْن الْأُخْتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ. فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ. وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ، كَالْوَطْءِ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ فِي الْأُخْتِ مَا يُنَافِي إبَاحَةَ أُخْتِهَا الْمُفْتَرَشَةِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالْوَطْءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَلَا تُبَاحُ الْمَنْكُوحَةُ حَتَّى تُحَرَّمَ أُخْتُهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ، فَجَازَ أَنْ يَرِدَ عَلَى وَطْءِ الْأُخْتِ، وَلَا يُبِيحُ كَالشِّرَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَتَحِلُّ لَهُ الْمَنْكُوحَةُ، وَتُحَرَّمُ أُخْتُهَا ; لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ