فهرس الكتاب

الصفحة 2271 من 3896

بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ إلَّا فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ} .

وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا. رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَسَرَّى الْعَبْدُ، وَنَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ النِّكَاحَ، فَمَلَكَ التَّسَرِّيَ، كَالْحُرِّ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ. مَمْنُوعٌ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ.} فَجَعَلَ الْمَالَ لَهُ ; وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، فَمَلَكَ الْمَالَ كَالْحُرِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِآدَمِيَّتِهِ يَتَمَهَّدُ لِأَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ، إذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَمْوَالَ لِلْآدَمِيِّينَ.

لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ التَّكَالِيفِ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} . وَالْعَبْدُ دَاخِلٌ فِي الْعُمُومِ، وَمِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ، فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْمِلْكِ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ فِي النِّكَاحِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْجَنِينِ، مَعَ كَوْنِهِ نُطْفَةً لَا حَيَاةَ فِيهَا، بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ إلَى الْآدَمِيَّةِ، فَالْعَبْدُ الَّذِي هُوَ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ أَوْلَى. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّسَرِّي إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ جَارِيَةً، لَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَلِسَيِّدِهِ نَزْعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ عَقْدٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ

فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَقَالَ: تَسَرَّاهَا. أَوْ: أَذِنْت لَك فِي وَطْئِهَا. أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أُبِيحَ لَهُ، وَمَا وُلِدَ لَهُ مِنْ التَّسَرِّي فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِلْكِهِ ; لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا. وَإِنْ تَسَرَّى بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَالْوَلَدُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ.

(5309) فَصْلٌ: وَلَهُ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ، إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّسَرِّي، جَازَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ كَالْحُرِّ.

فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَأَطْلَقَ التَّسَرِّيَ تَسَرَّى بِوَاحِدَةٍ. وَكَذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ

وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَأَبُو ثَوْرٍ: إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، فَعَقَدَ عَلَى اثْنَتَيْنِ فِي عَقْدٍ، جَازَ. وَلَنَا أَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ يَقِينًا، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُرَادٍ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَذِنَ لَهُ أَوْ لَا ؟.

(5310) فَصْلٌ: وَالْمُكَاتَبُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ، لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافًا لِلْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.} وَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، فَإِذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ جَارِيَةً، فَمِلْكُهُ تَامٌّ، وَلَهُ الْوَطْءُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ; لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.} وَلِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهَا تَامٌّ، لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا شَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَكَذَلِكَ الْوَطْءُ، وَمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ مَا يَمْلِكُهُ، كَمَا لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَيَأْكُلَ مَا مَلَكَهُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت