رِوَايَةٍ: {وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ، فَصَمْتُهَا إقْرَارُهَا} . رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَفِي رِوَايَةٍ: {تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا} . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي غَيْرِ ذَاتِ الْأَبِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا} . وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. وَلِأَنَّ الْحَيَاءَ عُقْلَةٌ عَلَى لِسَانِهَا، يَمْنَعُهَا النُّطْقَ بِالْإِذْنِ، وَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ إبَائِهَا وَامْتِنَاعِهَا، فَإِذَا سَكَتَتْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لِرِضَاهَا، فَاكْتُفِيَ بِهِ
وَمَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَكُونَ صُمَاتُهَا إذْنًا فِي حَقِّ الْأَبِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ، فَيَكُونُ إذًا رَدًّا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاطِّرَاحًا لِلْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ الْجَلِيَّةِ، وَخَرْقًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ الْمَرْضِيَّةِ.
(5207) فَصْلٌ: فَإِنْ نَطَقَتْ بِالْإِذْنِ، فَهُوَ أَبْلَغُ وَأَتَمُّ فِي الْإِذْنِ مِنْ صَمْتِهَا، وَإِنْ بَكَتْ أَوْ ضَحِكَتْ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ بَكَتْ فَلَيْسَ بِإِذْنٍ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَلَيْسَ بِصَمْتٍ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ، فَإِنْ بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا}
وَلِأَنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالِامْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِهَا لِلِاسْتِئْذَانِ، فَكَانَ إذْنًا مِنْهَا كَالصُّمَاتِ أَوْ الضَّحِكِ. وَالْبُكَاءُ يَدُلُّ عَلَى فَرْطِ الْحَيَاءِ، لَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ كَرِهَتْ لَامْتَنَعَتْ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِي مِنْ الِامْتِنَاعِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ بِصَرِيحِهِ عَلَى أَنَّ الصَّمْتَ إذْنٌ، وَبِمَعْنَاهُ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ، وَكَذَلِكَ أَقَمْنَا الضَّحِكَ مُقَامَهُ.
(5208) فَصْلٌ: وَالثَّيِّبُ الْمُعْتَبَرُ نُطْقُهَا،، هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُصَابَةِ بِالْفُجُورِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْبِكْرِ فِي إذْنِهَا وَتَزْوِيجِهَا ; لِأَنَّ عِلَّةَ الِاكْتِفَاءِ بِصُمَاتِ الْبِكْرِ الْحَيَاءُ، وَالْحَيَاءُ مِنْ الشَّيْءِ لَا يَزُولُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ، وَهَذِهِ لَمْ تُبَاشِرْ بِالْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ، فَيَبْقَى حَيَاؤُهَا مِنْهُ بِحَالِهِ. وَلَنَا، قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا} . وَلِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا أَنْ تَسْكُتَ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُطْقِ الثَّيِّبِ ; لِأَنَّهُ قَسَمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَ السُّكُوتَ إذْنًا لِأَحَدِهِمَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ وَهَذِهِ ثَيِّبٌ، فَإِنَّ الثَّيِّبَ هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُلِ، وَهَذِهِ كَذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِثَيِّبِ النِّسَاءِ دَخَلَتْ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى لِلْأَبْكَارِ لَمْ تَدْخُلْ، وَلَوْ اشْتَرَطَهَا فِي التَّزْوِيجِ أَوْ الشِّرَاءِ بِكْرًا فَوَجَدَهَا مُصَابَةً بِالزِّنَا، مَلَكَ الْفَسْخَ، وَلِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ فِي الْقُبُلِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْحَيَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِمَظِنَّتِهِ، وَهِيَ الْبَكَارَةُ، ثُمَّ هَذَا التَّعْلِيلُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُكْرَهَةِ وَالْمُطَاوِعَةِ، وَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِأَبِيهَا إجْبَارُهَا إذَا كَانَتْ