فهرس الكتاب

الصفحة 2170 من 3896

أَحَبَّ الْمَالِكُ تَضْمِينَ الثَّانِي، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمَانَ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ قَبْضًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَلَمْ يُوجِبْ ضَمَانًا آخَرَ، وَفَارَقَ الْقَبْضَ مِنْ الْغَاصِبِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الضَّمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ، إنَّمَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ بِالْغَصْبِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ تَضْمِينَ الثَّانِي أَيْضًا ; لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ مَالِكُهُ، فَضَمِنَهُ، كَالْقَابِضِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ

وَذِكْرُ أَحْمَدَ الضَّمَانَ عَلَى الْأَوَّلِ لَا يَنْفِي الضَّمَانَ عَنْ الثَّانِي، كَمَا أَنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ، وَلَا يَنْفِي وُجُوبَهُ عَلَى الْقَابِضِ مِنْهُ. فَعَلَى هَذَا يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ ضَمَّنَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَمَا ذَكَرْنَا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ هُوَ مُنْتَقِضٌ بِمَا إذَا دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى إنْسَانٍ عَارِيَّةً، أَوْ هِبَةً، أَوْ وَدِيعَةً لِنَفْسِهِ، فَأَمَّا إنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِحِفْظِهَا لَهُ مِنْ أَهْلِهِ، كَامْرَأَتِهِ وَغُلَامِهِ، لَمْ يَضْمَنْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ ; لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ صَاحِبُهَا، فَضَمِنَهَا. كَمَا لَوْ سَلَّمَهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَفِظَهَا بِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفِظَهَا بِنَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ دَفَعَ الْمَاشِيَةَ إلَى الرَّاعِي، أَوْ دَفَعَ الْبَهِيمَةَ إلَى غُلَامِهِ لِيَسْقِيَهَا، وَيُفَارِقُ الْأَجْنَبِيَّ، فَإِنَّ دَفْعَهَا إلَيْهِ لَا يُعَدُّ حِفْظًا مِنْهُ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ، مِثْلُ إنْ أَرَادَ سَفَرًا، أَوْ خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَ نَفْسِهِ مِنْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَذَا إنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِهِ.

فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِ مَالِكِهَا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَضَمِنَهَا، كَمَا لَوْ أَوْدَعَهَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَا وَكِيلِهِ، فَلَهُ دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِمْسَاكِهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَالْحَاكِمُ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ. وَإِنْ أَوْدَعَهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَاكِمِ، ضَمِنَهَا ; لِأَنَّ غَيْرَ الْحَاكِمِ لَا وِلَايَةَ لَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ إيدَاعُهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْفَظَ لَهَا وَأَحَبَّ إلَى صَاحِبِهَا. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَاكِمِ، فَأَوْدَعَهَا ثِقَةً، لَمْ يَضْمَنْهَا لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا.

ثُمَّ تَأَوَّلَ كَلَامَهُ عَلَى أَنَّهُ أَوْدَعَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، أَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَاكِمِ. وَإِنْ دَفَنَهَا فِي مَوْضِعٍ وَأَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَدُهُ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَكَانَتْ مِمَّا لَا يَضُرُّهَا الدَّفْنُ، فَهُوَ كَإِيدَاعِهَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَمُوتَ فِي سَفَرِهِ، فَلَا تَصِلُ إلَى صَاحِبِهَا، وَرُبَّمَا نَسِيَ مَكَانَهَا، أَوْ أَصَابَهُ آفَةٌ مِنْ هَدْمٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ، فَتُضِيعُ. وَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَ ثِقَةٍ، ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَخَذَهَا. وَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً لَا يَدَ لَهُ عَلَى الْمَكَانِ، فَقَدْ فَرَّطَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُودِعْهَا إيَّاهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِاحْتِفَاظِ بِهَا.

(5046) فَصْلٌ: وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِهَا وَقَدْ نَهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ ذَلِكَ، ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِصَاحِبِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَهَاهُ، لَكِنَّ الطَّرِيقَ مَخُوفٌ، أَوْ الْبَلَدَ الَّذِي يُسَافِرُ إلَيْهِ مَخُوفٌ ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى صَاحِبِهَا، أَوْ وَكِيلِهِ، أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ أَمِينٍ، ضَمِنَهَا ; لِأَنَّهُ يُسَافِرُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ السَّفَرُ مَخُوفًا

وَلَنَا، أَنَّهُ نَقَلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ نَقَلَهَا فِي الْبَلَدِ، وَلِأَنَّهُ سَافَرَ بِهَا سَفَرًا غَيْرَ مَخُوفٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت