وَلَدَ الْأُمِّ، وَوَلَدُ الْأَبِ يَسْقُطُونَ بِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ إذَا اسْتَغْرَقَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ، وَكَانُوا عَصَبَةً.
وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي الْمُشْرَكَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ ابْنِ ابْنِهِ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَيُمْنَعُ مِنْ دَفْعِ زَكَاتِهِ إلَيْهِ، كَالْأَبِ سَوَاءً، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي تَقْدِيمِ الْأَخَوَاتِ ; لِأَنَّ فُرُوضَهُنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَجِبُ أَنْ تَلْحَقَ بِهِنَّ فُرُوضُهُنَّ، وَيَكُونُ لِلْجَدِّ مَا بَقِيَ. فَالْجَوَابُ، أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ حُجَّةُ فِي الذُّكُورِ الْمُنْفَرِدِينَ، وَفِي الذُّكُورِ مَعَ الْإِنَاثِ.
أَوْ نَقُولُ: هُوَ حُجَّةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا فَرْضَ لِوَلَدِ الْأَبِ مَعَ الْجَدِّ ; لِأَنَّهُمْ كَلَالَةٌ، وَالْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَارِثِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ مَعَهُ إذًا فَرْضٌ. حُجَّةٌ أُخْرَى، قَالُوا: الْجَدُّ أَبٌ، فَيَحْجُبُ وَلَدَ الْأَبِ، كَالْأَبِ الْحَقِيقِيِّ. وَدَلِيلُ كَوْنِهِ أَبًا قَوْله تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ} وَقَوْلُ يُوسُفَ: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} . وَقَوْلُهُ: {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} وَقَالَ النَّبِيُّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا.}
وَقَالَ: {سَامُ أَبُو الْعَرَبِ، وَحَامُ أَبُو الْحَبَشِ} . وَقَالَ: {نَحْنُ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقَفُوا أُمَّنَا، وَلَا نَنْفِي مِنْ أَبِينَا} . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نَدَّعِي لِأَبٍ عَنْهُ وَلَا هُوَ بِالْأَبْنَاءِ يَشْرِينَا
فَوَجَبَ أَنْ يَحْجُبَ الْإِخْوَةَ، كَالْأَبِ الْحَقِيقِيِّ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ يَقُومُ مَقَامَ أَبِيهِ فِي الْحَجْبِ، وَكَذَلِكَ أَبُو الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَ ابْنِهِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا، وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ أَبًا. وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا إيلَادًا وَبَعْضِيَّةً وَجُزْئِيَّةً، وَهُوَ يُسَاوِي الْأَبَ فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهِ، فَيُسَاوِيهِ فِي هَذَا الْحَجْبِ.
يُحَقِّقُهُ أَنَّ أَبَا الْأَبِ وَإِنْ عَلَا يُسْقِطُ بَنِي الْإِخْوَةِ، وَلَوْ كَانَتْ قَرَابَةُ الْجَدِّ وَالْأَخِ وَاحِدَةً، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْجَدِّ مُسَاوِيًا لِبَنِي الْأَخِ، لِتَسَاوِي دَرَجَةِ مَنْ أَدْلَيَا بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِوُضُوحِهِ.
(4867) فَصْلٌ: اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِتَوْرِيثِهِمْ مَعَهُ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ، فَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْرِضُ لِلْأَخَوَاتِ فُرُوضَهُنَّ، وَالْبَاقِيَ لِلْجَدِّ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَهُ ذَلِكَ مِنْ السُّدُسِ، فَيَفْرِضَهُ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ، وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ، فَرَضَ لِلْأُخْتِ النِّصْفَ، وَقَاسَمَ الْجَدُّ الْإِخْوَةَ فِيمَا بَقِيَ، إلَّا أَنْ تَنْقُصَهُ الْمُقَاسَمَةُ مِنْ السُّدُسِ، فَنَفْرِضَهُ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْإِخْوَةُ كُلُّهُمْ عَصَبَةً، قَاسَمَهُمْ الْجَدُّ إلَى السُّدُسِ. فَإِنْ اجْتَمَعَ وَلَدُ الْأَبِ وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْجَدِّ، سَقَطَ وَلَدُ الْأَبِ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُقَاسَمَةِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ. وَإِنْ انْفَرَدَ وَلَدُ الْأَبِ، قَامُوا مَقَامَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْجَدِّ. وَصَنَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْأَخَوَاتِ كَصُنْعِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَاسَمَ بِهِ الْإِخْوَةَ إلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَصْحَابُ فَرَائِضَ، أَعْطَى أَصْحَابَ الْفَرَائِضِ فَرَائِضَهُمْ، ثُمَّ صَنَعَ صَنِيعَ زَيْدٍ فِي إعْطَاءِ الْجَدِّ الْأَحَظَّ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ أَوْ ثُلُثَ الْبَاقِي أَوْ سُدُسَ جَمِيعِ الْمَالِ، وَعَلِيٌّ يُقَاسِمُ بِهِ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ