فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَدُ الْأُمِّ عَلَى الْخُصُوصِ، فَمَنْ شَرَكَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، فَهُوَ مُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: {وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} . يُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ سَائِرُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَهُمْ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ، بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ} . وَمَنْ شَرَكَ فَلَمْ يُلْحِقْ الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ عَصَبَةٌ لَا فَرْضَ لَهُمْ، وَقَدْ تَمَّ الْمَالُ بِالْفُرُوضِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطُوا، كَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَ وَلَدِ الْأُمِّ ابْنَتَانِ. وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدٌ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ، وَمِائَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ، لَكَانَ لِلْوَاحِدِ السُّدُسُ، وَلِلْمِائَةِ السُّدُسُ الْبَاقِي، لِكُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُ عُشْرِهِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَفْضُلَهُمْ الْوَاحِدُ هَذَا الْفَضْلَ كُلَّهُ، لِمَ لَا يَجُوزُ لِاثْنَيْنِ إسْقَاطُهُمْ ؟ وَقَوْلُهُمْ: تَسَاوَوْا فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ. قُلْنَا: فَلِمَ لَمْ يُسَاوُوهُمْ فِي الْمِيرَاثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؟ وَعَلَى أَنَّا نَقُولُ: إنْ سَاوَوْهُمْ فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ فَقَدْ فَارَقُوهُمْ فِي كَوْنِهِمْ عَصَبَةً مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْفُرُوضِ. وَهَذَا الَّذِي افْتَرَقُوا فِيهِ هُوَ الْمُقْتَضِي لِتَقْدِيمِ وَلَدِ الْأُمِّ، وَتَأْخِيرِ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ. فَإِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَقْدِيمِ ذَوِي الْفُرُوضِ، وَتَأْخِيرِ الْعَصَبَةِ، وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ وَلَدُ الْأُمِّ عَلَى وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ فِي الْقَدْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَشِبْهِهَا، فَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ وَإِنْ سَقَطَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ كَغَيْرِهِ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي زَوْجٍ وَأُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٍ مِنْ أَبٍ مَعَهَا أَخُوهَا، إنَّ الْأَخَ يَسْقُطُ وَحْدَهُ، فَتَرِثُ أُخْتُهُ السُّبْعَ ; لِأَنَّ قَرَابَتَهَا مَعَ وُجُودِهِ كَقَرَابَتِهَا مَعَ عَدَمِهِ، وَهُوَ لَمْ يَحْجُبْهَا، فَهَلَّا عَدُّوهُ حِمَارًا، وَوَرَّثُوهَا مَعَ وُجُودِهِ كَمِيرَاثِهَا مَعَ عَدَمِهِ ؟ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقِيَاسِ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، قَالَ الْعَنْبَرِيُّ: الْقِيَاسُ مَا قَالَ عَلِيٌّ، وَالِاسْتِحْسَانُ مَا قَالَ عُمَرُ. قَالَ الْخَبْرِيُّ: وَهَذِهِ وَسَاطَةٌ مَلِيحَةٌ، وَعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، إلَّا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ دَلِيل، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الْمُعَارِضِ، فَكَيْفَ وَهُوَ فِي مَسْأَلَتِنَا يُخَالِفُ ظَاهَرَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَمِنْ الْعَجَبِ ذَهَابُ الشَّافِعِيِّ إلَيْهِ هَاهُنَا، مَعَ تَخْطِئَتِهِ الذَّاهِبِينَ إلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَوْلُهُ: مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَعَ. وَمُوَافَقَتُهُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْلَى.
(4832) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ مَكَان وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ عَصَبَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ سَقَطَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَمْ يُوَرِّثْهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْنَا ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَاوُوا وَلَدَ الْأُمِّ فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ. وَلَوْ كَانَ مَكَانَهُمْ أَخَوَاتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَبٍ، فُرِضَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَعَالَتْ الْمَسْأَلَةُ إلَى عَشْرَةٍ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، إلَّا فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، مِمَّنْ لَا يَرَى الْعَوْلَ، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ النَّقْصَ عَلَى الْأَخَوَاتِ غَيْرِ وَلَدِ الْأُمِّ، فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ سُقُوطُ الْأَخَوَاتِ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانُوا إخْوَةً، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(4833) فَصْلٌ: إذَا قِيلَ امْرَأَةٌ خَلَّفَتْ أُمًّا، وَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ وَالْآخَرُ أَخٌ مِنْ أُمٍّ وَثَلَاثَةَ إخْوَةٍ