فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ التَّشْرِيكَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَتْ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ يَقِينًا، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ.
(4683) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَنِصْفُهُ لِفُلَانٍ، أَوْ ثُلُثُهُ. كَانَ رُجُوعًا فِي الْقَدْرِ الَّذِي وَصَّى بِهِ لِلثَّانِي خَاصَّةً، وَبَاقِيهِ لِلْأَوَّلِ.
(4684) فَصْلٌ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِي جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ، وَفِي بَعْضِهِ، إلَّا الْوَصِيَّةَ بِالْإِعْتَاقِ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ بِهِ أَيْضًا. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مَا شَاءَ مِنْ وَصِيَّتِهِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالنَّخَعِيُّ: يُغَيِّرُ مِنْهَا مَا شَاءَ إلَّا الْعِتْقَ ; لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ، كَالتَّدْبِيرِ
وَلَنَا، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ عَنْهَا، كَغَيْرِ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ تُنْجَزُ بِالْمَوْتِ، فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْلَ تَنْجِيزِهَا، كَهِبَةِ مَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَفَارَقَ التَّدْبِيرَ، فَإِنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ، كَتَعْلِيقِهِ عَلَى صِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ.
(4685) فَصْلٌ: وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِقَوْلِهِ: رَجَعْت فِي وَصِيَّتِي. أَوْ أَبْطَلْتهَا، أَوْ غَيَّرْتهَا. أَوْ مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ. أَوْ فَهُوَ لِوَرَثَتِي. أَوْ فِي مِيرَاثِي. وَإِنْ أَكَلَهُ، أَوْ أَطْعَمَهُ، أَوْ أَتْلَفَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ كَانَ ثَوْبًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ فَفَصَّلَهُ وَلَبِسَهُ، أَوْ جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، فَهُوَ رُجُوعٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِطَعَامٍ فَأَكَلَهُ، أَوْ بِشَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ بِجَارِيَةٍ فَأَحْبَلَهَا، أَوْ أَوْلَدَهَا، أَنَّهُ يَكُونُ رُجُوعًا
وَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَلَهُ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ، فَكَانَ رُجُوعًا، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ. وَإِنْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ، أَوْ أَوْجَبَ الْهِبَةَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ، أَوْ دَبَّرَهُ، كَانَ رُجُوعًا ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِلرُّجُوعِ بِعَرْضِهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِيجَابِهِ لِلْهِبَةِ، وَوَصِيَّتِهِ بِبَيْعِهِ أَوْ إعْتَاقِهِ، لِكَوْنِهِ وَصَّى بِمَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ الْأُولَى، وَالْكِتَابَةُ بَيْعٌ، وَالتَّدْبِيرُ أَقْوَى مِنْ الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهُ يُنْجَزُ بِالْمَوْتِ، فَيَسْبِقُ أَخْذَ الْمُوصَى لَهُ
وَإِنْ رَهَنَهُ، كَانَ رُجُوعًا ; لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِهِ حَقًّا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَكَانَ أَعْظَمَ مِنْ عَرْضِهِ عَلَى الْبَيْعِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ. وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَأَشْبَهَ إجَارَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْكِتَابَةِ.
(4686) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِحَبٍّ ثُمَّ طَحَنَهُ، أَوْ بِدَقِيقٍ فَعَجَنَهُ، أَوْ بِعَجِينٍ فَخَبَزَهُ، أَوْ بِخُبْزٍ فَفَتَّهُ، أَوْ جَعَلَهُ فَتِيتًا. كَانَ رُجُوعًا ; لِأَنَّهُ أَزَالَ اسْمَهُ وَعَرَّضَهُ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَدَلَّ عَلَى رُجُوعِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَإِنْ وَصَّى بِكَتَّانٍ أَوْ قُطْنٍ فَغَزَلَهُ، أَوْ بِغَزْلٍ فَنَسَجَهُ، أَوْ بِثَوْبٍ فَقَطَعَهُ، أَوْ بِنَقْرَةٍ فَضَرَبَهَا، أَوْ شَاةٍ فَذَبَحَهَا، كَانَ رُجُوعًا. وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّهُ لَا