أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى لِأَرَامِلَ بَنِي فُلَانٍ. فَقَالَ: قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَاَلَّذِي يُعْرَفُ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَنَّ الْأَرَامِلَ النِّسَاءُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَإِسْحَاقُ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَنْشَدَ أَحَدُهُمَا:
هَذِي الْأَرَامِلُ قَدْ قَضَّيْت حَاجَتَهَا فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ
وَقَالَ الْآخَرُ:
أُحِبُّ أَنْ أَصْطَادَ ضَبْيًا سَحْبَلَا رَعَى الرَّبِيعَ وَالشِّتَاءَ أَرْمَلَا
وَلَنَا، أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَنَّهُ النِّسَاءُ، فَلَا يُحْمَلُ لَفْظُ الْمُوصِي إلَّا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْأَرَامِلَ جَمْعُ أَرْمَلَةٍ، فَلَا يَكُونُ جَمْعًا لِلْمُذَكَّرِ ; لِأَنَّ مَا يَخْتَلِفُ لَفْظُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي وَاحِدِهِ يَخْتَلِفُ فِي جَمْعِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَلَى قَائِلِ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَخَطَّأَهُ فِيهِ، وَالشِّعْرُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَفْظُ الْأَرَامِلِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، لَقَالَ:"حَاجَتَهُمْ"إذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى كَانَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ، غُلِّبَ فِيهِ لَفْظُ التَّذْكِيرِ وَضَمِيرُهُ، فَلَمَّا رُدَّ الضَّمِيرُ عَلَى الْإِنَاثِ عُلِمَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَسَمَّى نَفْسَهُ أَرْمَلَا تَجَوُّزًا تَشْبِيهًا بِهِنَّ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ ذَكَرٌ، وَيَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ أَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَ إطْلَاقِهِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا النِّسَاءُ، وَلَا يُسَمَّى بِهِ فِي الْعُرْفِ غَيْرُهُنَّ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِنَّ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَكَانَ قَدْ خَصَّ بِهِ أَهْلُ الْعُرْفِ النِّسَاءَ، وَهُجِرَتْ بِهِ الْحَقِيقَةُ حَتَّى صَارَتْ مَغْمُورَةً، لَا تُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعُرْفِيَّةِ.
(4660) فَصْلٌ: فَأَمَّا لَفْظُ الْأَيَامَى، فَهُوَ كَالْأَرَامِلِ، إلَّا أَنَّهُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} . وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: {أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ} . وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِينَ لَا أَزْوَاجَ لَهُمْ، لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: آمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ زَوْجِهَا، وَأُمُّ عُثْمَانَ مِنْ رُقَيَّةَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي وَإِنْ كُنْت أَفْتَى مِنْكُمْ أَتَأَيَّمُ
وَلَنَا، أَنَّ الْعُرْفَ يَخُصُّ النِّسَاءَ بِهَذَا الِاسْمِ، وَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ الْعُرْفِيِّ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ} . إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمَرْأَةَ فَإِنَّهَا الَّتِي تُوصَفُ بِهَذَا، وَيَضُرُّ بَوَارُهَا.
(4661) فَصْلٌ: وَالْعُزَّابُ هُمْ الَّذِينَ لَا أَزْوَاجَ لَهُمْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَزَبٌ، وَامْرَأَةٌ عَزَبَةٌ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَزَبًا لِانْفِرَادِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ انْفَرَدَ فَهُوَ عَزَبٌ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرًا مِنْ الْوَحْشِ انْفَرَدَ:
يَجْلُو الْبَوَارِقُ عَنْ مجلمز لَهَقٍ كَأَنَّهُ مُتَقَبِّي يُلْمَقُ عَزَبُ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ الْعَزَبُ بِالرِّجَالِ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ كَذَلِكَ، وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ.