فهرس الكتاب

الصفحة 1904 من 3896

الثَّانِي دَارٌ لَمْ تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَصْلًا. كَبِلَادِ الْهِنْدِ وَالرُّومِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَلَقِيطُهَا كَافِرٌ ; لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَأَهْلُهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمُونَ كَالتُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ، احْتَمَلَ أَنْ يُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُحْكَمَ بِكُفْرِهِ، تَغْلِيبًا لِلدَّارِ وَالْأَكْثَرِ

وَهَذَا التَّفْصِيلُ كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ إذَا وُجِدَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، مَيِّتًا فِي أَيِّ مَكَان وُجِدَ، أَنَّ غُسْلَهُ وَدَفْنَهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ يَجِبُ، وَقَدْ مَنَعُوا أَنْ يُدْفَنَ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَإِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا مُشْرِكٌ، فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِ مَا حَكَمُوا بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ. هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.

(4558) فَصْلٌ: وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ، إنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ ظَاهِرًا لَا يَقِينًا ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَ كَافِرٍ، فَلَوْ أَقَامَ كَافِرٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، حَكَمْنَا لَهُ بِهِ. وَإِذَا بَلَغَ اللَّقِيطُ حَدًّا يَصِحُّ فِيهِ إسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ، فَوَصَفَ الْإِسْلَامَ فَهُوَ مُسْلِمٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ. وَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ، وَهُوَ مِمَّنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا، أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقْوَى مِنْ ظَاهِرِ الدَّارِ. وَهَذَا وَجْهٌ مُظْلِمٌ ; لِأَنَّ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ وُجِدَ عَرِيًّا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَثَبَتَ حُكْمُهُ، وَاسْتَقَرَّ، فَلَمْ يَجُزْ إزَالَةُ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ مُسْلِمٍ. وَقَوْلُهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْحَالِ مَنْ كَانَ أَبُوهُ. وَلَا مَا كَانَ دِينُهُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ هَذَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَعَلَى هَذَا إذَا بَلَغَ اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمْ.

فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ وَصَفَ كُفْرًا، يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، عُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْتِزَامِهَا، أَوْ وَصَفَ كُفْرًا لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ. وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا ; فَإِنَّ هَذَا اللَّقِيطَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ابْن وَثَنِيٍّ حَرْبِيٍّ، فَهُوَ حَاصِلٌ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عُهْدَةٍ وَلَا عَقْدٍ، فَيَكُونُ لِوَاجِدِهِ، وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ سَابِيه، أَوْ يَكُونَ ابْنَ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا ذِمِّيٌّ، فَلَا يُقَرُّ عَلَى الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ يَكُونَ ابْنَ مُسْلِمٍ أَوْ ابْنَ مُسْلِمَيْنِ، فَيَكُونَ مُسْلِمًا. قَالَ أَحْمَدُ، فِي أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ، وَلَدَتْ مِنْ فُجُورٍ: وَلَدُهَا مُسْلِمٌ ; لِأَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مَعَهُ إلَّا أُمُّهُ

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْوَلَدِ حَالٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَرَّ فِيهَا عَلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُرَدُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ.

(4559) فَصْلٌ: إذَا جَنَى اللَّقِيطُ جِنَايَةً تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَالْعَقْلُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَهُ، وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِ. وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَحُكْمُهُ فِيهَا غَيْرُ حُكْمِ اللَّقِيطِ ; إنْ كَانَتْ تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ وَلَهُ مَالٌ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ، وَإِلَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ. وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ جِنَايَةً تُوجِبُ الدِّيَةَ، فَهِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ وَارِثُهُ

وَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إنْ رَآهُ أَحْظَ لِلْمَلَاقِيطِ، وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْمُصَالَحَةِ ; وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ} . وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْأَرْشَ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَلِوَلِيِّهِ أَخْذُ الْأَرْشِ. وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، وَلِلَّقِيطِ مَالٌ يَكْفِيه، وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى بُلُوغِهِ لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ، سَوَاءٌ كَانَ عَاقِلًا أَوْ مَعْتُوهًا

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَكَانَ عَاقِلًا، اُنْتُظِرَ بُلُوغُهُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا فَلِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت