فهرس الكتاب

الصفحة 1891 من 3896

وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوجِبُ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ

لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا جُعْلَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ:"وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ". وَلَمْ يَذْكُرْ جُعْلًا. وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرُطَ لَهُ عِوَضًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، كَمَا لَوْ رَدَّ جَمَلَهُ الشَّارِدَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي جُعْلِ الْآبِقِ، إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ، دِينَارًا

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي زَمَنِهِمْ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّ فِي شَرْطِ الْجُعْلِ فِي رَدِّهِمْ حَثًّا عَلَى رَدِّ الْإِبَاقِ، وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَرِدَّتِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَتَقْوِيَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ. وَبِهَذَا فَارَقَ رَدَّ الشَّارِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَقْرَبُ إلَى الْمَصْلَحَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَالْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَلَا الْقِيَاسُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَلَا تَحَقَّقَتْ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ الظَّاهِرُ هَرَبَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا فِي الْمَجْلُوبِ مِنْهَا، إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، وَهَذَا بَعِيدٌ فِيهِمْ

فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَدْرِ الْجُعْلِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارٌ، إنْ رَدَّهُ مِنْ الْمِصْرِ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَلْزَمُهُ دِينَارٌ، أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، لِلْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَالثَّانِيَةُ، لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا إنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَشُرَيْحٍ. فَرَوَى أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إنِّي أَصَبْت عَبِيدًا إبَاقًا. فَقَالَ: لَك أَجْرٌ وَغَنِيمَةٌ. فَقُلْت: هَذَا الْأَجْرُ، فَمَا الْغَنِيمَةُ ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَعْطَيْت الْجُعْلَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ. قَالَ الْخَلَّالُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ إسْنَادًا

.وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا وَجَدَهُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ، يُرْضَخُ لَهُ عَلَى قَدْرِ الْمَكَانِ الَّذِي تَعْنِي إلَيْهِ

وَلَا فَرْقَ عِنْدَ إمَامِنَا بَيْنَ أَنْ يَزِيدَ الْجُعْلَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ لَا يَزِيدَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ نَقَصَ الْجُعْلُ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمًا، لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ. وَلَنَا عُمُومُ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّهُ جُعْلٌ يُسْتَحَقُّ فِي رَدِّ الْآبِقِ، فَاسْتَحَقَّهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبُهُ، وَيَسْتَحِقُّهُ إنْ مَاتَ سَيِّدُهُ فِي تَرِكَتِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الَّذِي رَدَّهُ مِنْ وَرَثَةِ الْمَوْلَى، سَقَطَ الْجُعْلُ

وَلَنَا أَنَّ هَذَا عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت