فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 3896

وَقَالَ: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّا نَرَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْهُ. فَاخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي الْكَفَّارَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْحَدِيثِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَتْ لَهُ مَقْدِرَةٌ تَصَدَّقَ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ; كَفَّارَةُ وَطْءِ الْحَائِضِ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا، أَوْ عَنْ بَعْضِهَا، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ.

(479) فَصْلٌ: وَفِي قَدْرِ الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا دِينَارٌ، أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ، عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، أَيَّهُمَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّانِيَةُ، أَنَّ الدَّمَ إنْ كَانَ أَحْمَرَ فَهِيَ دِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ، فَنِصْفُ دِينَارٍ.

وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إنْ كَانَ فِي فَوْرِ الدَّمِ فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَنِصْفُ دِينَارٍ ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ} . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. قَالَ أَبُو دَاوُد الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ:"يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ". وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْحَيْضِ، فَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْءٍ وَنِصْفِهِ ؟ قُلْنَا: كَمَا يُخَيَّرُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَإِتْمَامِهَا، فَأَيُّهُمَا فَعَلَ كَانَ وَاجِبًا، كَذَا هَاهُنَا.

(480) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ طُهْرِهَا، وَقَبْلَ غُسْلِهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ. وَلَوْ وَطِئَ فِي حَالِ جَرَيَانِ الدَّمِ، لَزِمَهُ دِينَارٌ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ، فَثَبَتَ قَبْلَ الْغُسْلِ، كَالتَّحْرِيمِ. وَلَنَا أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالشَّرْعِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ بِهَا الْخَبَرُ فِي الْحَائِضِ، وَغَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا ; لِأَنَّ الْأَذَى الْمَانِعَ مِنْ وَطْئِهَا قَدْ زَالَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ حَائِضًا، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ، وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِهِ.

(481) فَصْلٌ: وَهَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، تَجِبُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ; وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِالْوَطْءِ، أَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الْوَطْءِ فِي الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ. وَالثَّانِي، لَا تَجِبُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ} . وَلِأَنَّهَا تَجِبُ لِمَحْوِ الْمَأْثَمِ، فَلَا تَجِبُ مَعَ النِّسْيَانِ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَ طَاهِرًا، فَحَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ وَطْئِهِ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، قَالَ: وَلَوْ وَطِئَ الصَّبِيُّ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ; لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْإِحْرَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ ; لِأَنَّ أَحْكَامَ التَّكْلِيفِ لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ، وَهَذَا مِنْ فُرُوعِهَا، فَلَا تَثْبُتُ.

(482) فَصْلٌ: وَهَلْ تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ ؟ الْمَنْصُوصُ أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ. قَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ غَرَّتْ زَوْجَهَا: إنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَعَلَيْهَا ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، فَأَوْجَبَهَا عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُطَاوِعَةِ، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهَا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَتَلَقَّى الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ. وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ غَيْرَ عَالِمَةٍ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.}

(483) فَصْلٌ: وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ فِي هَذَا ; لِأَنَّهَا تُسَاوِيهَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا، وَيُجْزِئُ نِصْفُ دِينَارٍ مِنْ أَيِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت