وَلَنَا عُمُومُ الْأَحَادِيثِ فِي اللُّقَطَةِ جَمِيعهَا {; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: فَانْتَفِعْ بِهَا، أَوْ فَشَأْنَك بِهَا} وَفِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ:"مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً"
وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، وَالْأَثْرَمُ فِي"كِتَابَيْهِمَا"، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثِنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ {: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي مَتَاعٍ يُوجَدُ فِي الطَّرِيقِ الْمَيْتَاءِ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ ؟ فَقَالَ: عَرِّفْهُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ، وَإِلَّا فَشَأْنَك بِهِ} . وَرَوَيَا أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَدَ عَيْبَةً فَأَتَى بِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ عُرِفَتْ، وَإِلَّا فَهِيَ لَك. زَادَ الْجُوزَجَانِيُّ: فَلَمْ تُعْرَفْ، فَلَقِيَهُ بِهَا الْعَامَ الْمُقْبِلَ، فَذَكَرَهَا لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: هِيَ لَك، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ كَذَلِكَ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ. وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ الْحُرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ قَالَ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ. فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت هَذَا الْبُرْدَ، وَقَدْ نَشَدْته وَعَرَّفْته فَلَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، وَهَذَا يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمُ يَتَفَرَّقُ النَّاسُ. فَقَالَ: إنْ شِئْت قَوَّمْته قِيمَةَ عَدْلٍ، وَلَبِسْته، وَكُنْت لَهُ ضَامِنًا، مَتَى جَاءَك صَاحِبُهُ دَفَعْت إلَيْهِ ثَمَنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ لَهُ طَالِبٌ فَهُوَ لَك إنْ شِئْت
وَلِأَنَّ مَا جَازَ الْتِقَاطُهُ مُلِكَ بِالتَّعْرِيفِ، كَالْأَثْمَانِ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ الصَّحَابَةِ إنْ صَحَّ، فَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ خِلَافَهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا لُقَطَةٌ لَا تُمْلَكُ فِي الْحَرَمِ مَمْنُوعٌ، ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِالْأَثْمَانِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْإِبِلِ ; لِأَنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ الْإِبِلَ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا، فَلَا تُمْلَكُ بِهِ، وَهَاهُنَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا، فَتُمْلَكُ بِهِ، كَالْأَثْمَانِ. ثُمَّ إذَا لَمْ تُمْلَكْ فِي الْحَرَمِ، لَا تُمْلَكُ فِي الْحِلِّ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرَمَ مُيِّزَ بِكَوْنِ لُقَطَتِهِ لَا يَلْتَقِطُهَا إلَّا مُنْشِدٌ، وَلِهَذَا لَمْ تُمْلَكْ الْأَثْمَانُ بِالْتِقَاطِهَا فِيهِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا تُمْلَكَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُوجَدْ الْمَانِعُ فِيهِ
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّصَّ خَاصٌّ فِي الْأَثْمَانِ. قُلْنَا: بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ لُقَطَةٍ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ، وَإِنْ وَرَدَ فِيهَا نَصٌّ خَاصٌّ، فَقَدْ رُوِيَ خَبَرٌ عَامٌ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا، ثُمَّ قَدْ رَوَيْنَا نَصًّا خَاصًّا فِي الْعُرُوضِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، كَمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْخَاصِّ فِي الْأَثْمَانِ، ثُمَّ لَوْ اخْتَصَّ الْخَبَرُ بِالْأَثْمَانِ، لَوَجَبَ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، كَسَائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي عُقِلَ مَعْنَاهَا وَوُجِدَ فِي غَيْرِهَا، وَهَاهُنَا قَدْ وُجِدَ الْمَعْنَى، فَيَجِبُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، أَوْ نَقُولُ: إنَّ الْمَعْنَى هَاهُنَا آكَدُ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيه
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْأَثْمَانَ لَا تَتْلَفُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَيْهَا، وَانْتِظَارِ صَاحِبِهَا بِهَا أَبَدًا، وَالْعُرُوضُ تَتْلَفُ بِذَلِكَ، فَفِي النِّدَاءِ عَلَيْهَا دَائِمًا هَلَاكُهَا، وَضَيَاعُ مَالِيَّتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَمُلْتَقِطِهَا، وَسَائِرِ النَّاسِ، فِي إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَمِلْكِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ، حِفْظًا لِمَالِيَّتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا بِدَفْعِ قِيمَتِهَا إلَيْهِ، وَتَقَعُ لِغَيْرِهِ، فَيَجِبُ ذَلِكَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِفْظِ لِمَالِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَخِيهِ، وَلِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيهَا حَثًّا عَلَى الْتِقَاطِهَا وَحِفْظِهَا وَتَعْرِيفِهَا، لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى الْمِلْكِ الْمَقْصُودِ لِلْآدَمِيِّ، وَفِي نَفْيِ مِلْكِهَا تَضْيِيعٌ