وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فَأَمَّا النَّهْيُ، فَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ إنَّكُمْ إنْ أَعَمَرْتُمْ أَوْ أَرْقَبْتُمْ يَعُدْ لِلْمُعْمِرِ وَالْمُرْقِبِ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ {: فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِمَنْ أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَعَقِبِهِ} . وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ النَّهْيِ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّتَهَا ; فَإِنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يُفِيدُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَائِدَةً، أَمَّا إذَا كَانَ صِحَّةُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ضَرَرًا عَلَى مُرْتَكِبَهُ، لَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ، كَالطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ.
وَصِحَّةُ الْعُمْرَى ضَرَرٌ عَلَى الْمُعْمِرِ، فَإِنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْعُمْرَى تَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُعْمَرِ. وَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَشُرَيْحٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ:
الْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ، لَا تُمْلَكُ بِهَا رَقَبَةُ الْمُعْمَرِ بِحَالٍ، وَيَكُونُ لِلْمُعْمَرِ السُّكْنَى، فَإِذَا مَاتَ عَادَتْ إلَى الْمُعْمِرِ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ وَلِعَقِبِهِ. كَانَ سُكْنَاهَا لَهُمْ، فَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَتْ إلَى الْمُعْمِرِ. وَاحْتَجَّا بِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْت مَكْحُولًا يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعُمْرَى، مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ: مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَمَا أَعْطَوْا. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْعَرَبُ فِي الْعُمْرَى، وَالرُّقْبَى، وَالْإِفْقَارِ، وَالْإِخْبَالِ، وَالْمِنْحَةِ، وَالْعَرِيَّةِ.
وَالْعَارِيَّةِ، وَالسُّكْنَى، وَالْإِطْرَاقِ، أَنَّهَا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا، وَمَنَافِعُهَا لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ. وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَتَأَقَّت، كَمَا لَوْ بَاعَهُ إلَى مُدَّةٍ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَأَقَّت، حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ. وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ: {قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا رُقْبَى، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ} . وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْعُمْرَى لِلْوَارِثِ} . وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الْعُمْرَى، فِي"مُوَطَّئِهِ"، وَهُوَ صَحِيحٌ رَوَاهُ جَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَوْلُ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ فِي مُخَالَفَةِ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ فِي مُخَالَفَةِ قَوْلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُدَّعَى إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لِكَثْرَةِ مَنْ قَالَ بِهَا مِنْهُمْ، وَقَضَى بِهَا طَارِقٌ بِالْمَدِينَةِ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: إنَّهَا عِنْدَ الْعَرَبِ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ. لَا يَضُرُّ إذَا نَقَلَهَا الشَّرْعُ إلَى تَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ، كَمَا نَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الْأَفْعَالِ الْمَنْظُومَةِ، وَنَقَلَ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مِنْ الطَّلَاقِ إلَى أَحْكَامٍ مَخْصُوصَةِ. قَوْلُهُمْ: إنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَتَأَقَّتُ. قُلْنَا: فَلِذَلِكَ أَبْطَلَ الشَّرْعُ تَأْقِيتَهَا، وَجَعَلَهَا تَمْلِيكًا مُطْلَقًا.
(4486) فَصْلٌ: إذَا شَرَطَ فِي الْعُمْرَى أَنَّهَا لِلْمُعْمَرِ وَعَقِبِهِ، فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِحُكْمِهَا، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَوَرَثَتِهِ. وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِهَا
وَإِذَا أَطْلَقَهَا فَهِيَ لِلْمُعْمَرِ وَوَرَثَتِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْهِبَةَ. فَإِنْ شَرَطَ أَنَّك إذَا مِتَّ فَهِيَ لِي. فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، صِحَّةُ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ، وَمَتَى مَاتَ الْمُعْمَرُ