فهرس الكتاب

الصفحة 1863 من 3896

وَلَنَا {أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِيهِ يَقْتَضِيهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك} . رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ، فِي كِتَابِ"الْمُوَفَّقِيَّاتِ"، بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ رَجُلًا اسْتَقْرَضَ مِنْ ابْنِهِ مَالًا، فَحَبَسَهُ، فَأَطَالَ حَبْسَهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ الِابْنُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَكَرَ قِصَّتَهُ فِي شِعْرٍ، فَأَجَابَهُ أَبُوهُ بِشَعْرٍ أَيْضًا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

قَدْ سَمِعَ الْقَاضِي وَمِنْ رَبِّي الْفَهْم الْمَالُ لِلشَّيْخِ جَزَاءً بِالنِّعَمْ

يَأْكُلُهُ بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ مَنْ قَالَ قَوْلًا غَيْرَ ذَا فَقَدْ ظَلَمْ

وَجَارَ فِي الْحُكْمِ وَبِئْسَ مَا جَرَمْ

قَالَ الزُّبَيْرُ: إلَى هَذَا نَذْهَبُ.

وَلِأَنَّ الْمَالَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُقُوقِ، فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ أَبِيهِ بِهَا، كَحُقُوقِ الْأَبْدَانِ. وَيُفَارِقُ الْأَبُ غَيْرَهُ، بِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْحَقِّ عَلَى وَلَدِهِ. وَإِنْ مَاتَ الِابْنُ، فَانْتَقَلَ الدَّيْنُ إلَى وَرَثَتِهِ، لَمْ يَمْلِكُوا مُطَالَبَةَ الْأَبِ بِهِ ; لِأَنَّ مَوْرُوثَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، فَهُمْ أَوْلَى. وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ، رَجَعَ الِابْنُ فِي تَرِكَتِهِ بِدَيْنِهِ ; لِأَنَّ دَيْنَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْأَبِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَاتَ الْأَبُ، بَطَلَ دَيْنُ الِابْنِ. وَقَالَ فِي مَنْ أَخَذَ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ شَيْئًا فَأَنْفَقَهُ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ بَعْدِهِ، وَمَا أَصَابَتْ مِنْ الْمَهْرِ مِنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَخَذَتْهُ

وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ مَا أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّمْلِيكِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ لَهُ، وَإِنْفَاقُهُ إيَّاهُ، دَلِيلًا عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِذَلِكَ الْأَخْذِ. وَاَللَّهُ أَعْلَم.

(4478) فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ الْأَبُ فِي مَالِ الِابْنِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْأَبِ لِعَبْدِ ابْنِهِ، مَا لَمْ يَقْبِضْهُ. فَعَلَى هَذَا، لَا يَصِحُّ إبْرَاؤُهُ مِنْ دَيْنِهِ، وَلَا هِبَتُهُ لِمَالِهِ، وَلَا بَيْعُهُ لَهُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَوَارِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُشْتَرَكًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ، كَمَا لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَإِنَّمَا لِلْأَبِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ، كَالْعَيْنِ الَّتِي وَهَبَهَا إيَّاهُ، فَقَبْلَ انْتِزَاعِهَا لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ; لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ

وَإِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِمَا لَا حَظَّ لِلصَّغِيرِ فِيهِ، وَلَيْسَ مِنْ الْحَظِّ إسْقَاطُ دَيْنِهِ، وَعِتْقُ عَبْدِهِ، وَهِبَةُ مَالِهِ.

(4479) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ وَلَدِهِ رِبًا. لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ مِلْكَ الِابْنِ عَلَى مَالِهِ تَامٌّ. وَقَالَ: لَا يَطَأُ جَارِيَةَ الِابْنِ، إلَّا أَنْ يَقْبِضَهَا. يَعْنِي يَتَمَلَّكُهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا، فَقَدْ وَطِئَهَا وَلَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، وَإِنْ تَمَلَّكَهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ; لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ فَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ فِيهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا

وَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِحَالٍ وَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا، كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَطِئَهَا قَبْلَ مِلْكِهَا. وَالثَّانِي أَنَّهُ وَطِئَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا. وَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا، حُرِّمَتْ بِوَجْهِ ثَالِثٍ وَهِيَ أَنَّهَا صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ حَلِيلَةِ ابْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضَافَ مَالَ الْوَلَدِ إلَى أَبِيهِ، فَقَالَ {: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك} . وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ; لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ انْتَفَى عَنْهُ الْحَدُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت