فهرس الكتاب

الصفحة 1785 من 3896

الْمَقْصُودَةَ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ لَا تُضْمَنُ مَنْفَعَتُهَا بِغَصْبِهَا، فَأَشْبَهَتْ الشَّمْعَ. وَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً، فَأَشْبَهَتْ الْحُلِيَّ، وَفَارَقَتْ الشَّمْعَ ; فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِمَا أَتْلَفَ عَيْنَهُ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ ذَكَرَ مَا يَسْتَأْجِرُهُ لَهُ، وَعَيَّنَهُ، فَحَسَنٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِجَارَةَ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَصِحُّ الْإِجَارَةُ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِيمَا شَاءَ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا فِي الْإِجَارَةِ مُتَعَيِّنَةٌ فِي التَّحَلِّي وَالْوَزْنِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، فَوَجَبَ أَنْ تُحْمَلَ الْإِجَارَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا، كَاسْتِئْجَارِ الدَّارِ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ السُّكْنَى، وَوَضْعَ الْمَتَاعِ فِيهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ، وَتَكُونُ قَرْضًا. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ، وَالِانْتِفَاعُ الْمُعْتَادُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إنَّمَا هُوَ بِأَعْيَانِهَا، فَإِذَا أُطْلِقَ الِانْتِفَاعُ، حُمِلَ عَلَى الِانْتِفَاعِ الْمُعْتَادِ

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ، وَلَا تَكُونُ قَرْضًا ; لِأَنَّ التَّحَلِّيَ يَنْقُصُهَا، وَالْوَزْنَ لَا يَنْقُصُهَا، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الِانْتِفَاعِ، فَلَمْ يَجُزْ إطْلَاقُهَا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَا عَنْ الْقَرْضِ ; لِأَنَّ الْقَرْضَ تَمْلِيكٌ لِلْغَيْرِ، وَالْإِجَارَةُ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ التَّعْبِيرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ. وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَالْأَلْفَاظَ تُؤْخَذُ نَقْلًا، وَلَمْ يُعْهَدْ فِي اللِّسَانِ التَّعْبِيرُ بِالْإِجَارَةِ عَنْ الْقَرْضِ. وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ، كَانَ أَوْلَى مِنْ إفْسَادِهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى إجَارَتِهَا لِلْجِهَةِ الَّتِي تَجُوزُ إجَارَتُهَا فِيهَا

وَقَوْلُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إنَّمَا تَقْتَضِي انْتِفَاعًا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَلَا تُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَمَا ذَكَرَ الْآخَرُونَ مِنْ نَقْصِ الْعَيْنِ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي التَّحَلِّي فَبَعِيدٌ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ لَا أَثَرَ لَهُ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.

(4307) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ شَجَرًا وَنَخِيلًا، لِيُجَفِّفَ عَلَيْهَا الثِّيَابَ، أَوْ يَبْسُطَهَا عَلَيْهَا لِيَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ; لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَثْمَانِ. وَلَنَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً، لَجَازَ اسْتِئْجَارُهَا لِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ ثَابِتَةً ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ يَحْصُلُ بِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فِي الْحَالَتَيْنِ، فَمَا جَازَ فِي إحْدَاهُمَا يَجُوزُ فِي الْأُخْرَى، وَلِأَنَّهَا شَجَرَةٌ، فَجَازَ اسْتِئْجَارُهَا لِذَلِكَ كَالْمَقْطُوعَةِ، وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا، فَجَازَ اسْتِئْجَارُهَا لَهَا، كَالْحِبَالِ وَالْخَشَبِ وَالشَّجَرِ الْمَقْطُوعِ.

(4308) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ غَنَمٍ لِتَدْرُسَ لَهُ طِينًا أَوْ زَرْعًا. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ ; لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ مِنْ هَذَا الْحَيَوَانِ، فَأَشْبَهَتْ النَّخِيلَ. وَلَنَا أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ، مُبَاحَةٌ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا، فَأَشْبَهَتْ اسْتِئْجَارَ الْبَقَرِ لِدِيَاسِ الزَّرْعِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت