سُئِلَ عَنْ أَكْلِهِ نَهَاهُ، وَقَالَ:"اعْلِفْهُ النَّاضِحَ وَالرَّقِيقَ". وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِهِ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ، كَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ، عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَأَنَّ إعْطَاءَهُ لِلْحَجَّامِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ
إذْ لَا يُعْطِيه مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَلِّمُ النَّاسَ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ، فَكَيْفَ يُعْطِيهِمْ إيَّاهَا، وَيُمَكِّنُهُمْ مِنْهَا، وَأَمْرُهُ بِإِطْعَامِ الرَّقِيقِ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ نَهْيِهِ عَنْ أَكْلِهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ اتِّبَاعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مِنْ كَرِهَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى هَذَا، وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَائِلٌ بِالتَّحْرِيمِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ كَسْبِ الْحَجَّامِ، وَيُكْرَهُ تَعَلُّمُ صِنَاعَةِ الْحِجَامَةِ، وَإِجَارَةُ نَفْسِهِ لَهَا ; لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ فِيهَا دَنَاءَةً، فَكُرِهَ الدُّخُولُ فِيهَا، كَالْكَسْحِ
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا عَنْهُمْ كَرَاهَتَهَا، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا، وَتَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(4297) فَصْلٌ: فَأَمَّا اسْتِئْجَارُ الْحَجَّامِ لِغَيْرِ الْحِجَامَةِ، كَالْفَصْدِ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ، وَتَقْصِيرِهِ، وَالْخِتَانِ، وَقَطْعِ شَيْءٍ مِنْ الْجَسَدِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَجَائِزٌ ; لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ} . يَعْنِي بِالْحِجَامَةِ، كَمَا نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ، أَيْ فِي الْبِغَاءِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَسَبَ بِصِنَاعَةٍ أُخْرَى، لَمْ يَكُنْ خَبِيثًا بِغَيْرِ خِلَافٍ
وَهَذَا النَّهْيُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، فَيَخْتَصُّ بِالْمَحَلِّ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا، وَلَا تَحْرِيمَ فِيهَا، فَجَازَتْ الْإِجَارَةُ فِيهَا، وَأَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا، كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ.
(4298) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ كَحَّالًا لِيُكَحِّلَ عَيْنَهُ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ جَائِزٌ، وَيُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، فَيُقَدَّرُ بِهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ قَدْرِ مَا يُكَحِّلهُ مَرَّةً فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ. فَأَمَّا إنْ قَدَّرَهَا بِالْبُرْءِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا بَأْسَ بِمُشَارَطَةِ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ ; لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حِينَ رَقَى الرَّجُلَ، شَارَطَهُ عَلَى الْبُرْءِ
وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا يَجُوزُ، لَكِنْ يَكُونُ جَعَالَةً لَا إجَارَةً، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُدَّةٍ، أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ، فَأَمَّا الْجَعَالَةُ، فَتَجُوزُ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، كَرَدِّ اللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرُّقْيَةِ إنَّمَا كَانَ جَعَالَةً، فَيَجُوزُ هَاهُنَا مِثْلُهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْكُحْلَ إنْ كَانَ مِنْ الْعَلِيلِ جَازَ ; لِأَنَّ آلَاتِ الْعَمَلِ تَكُونُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ، كَاللَّبِنِ فِي الْبِنَاءِ وَالطِّينِ وَالْآجُرِّ وَنَحْوهَا. وَإِنْ شَارَطَهُ عَلَى الْكُحْلِ، جَازَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ; لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُمْلَكُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ، كَلَبِنِ الْحَائِطِ
وَلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، وَيَشُقُّ عَلَى الْعَلِيلِ تَحْصِيلُهُ، وَقَدْ يَعْجِزُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَجَازَ ذَلِكَ، كَالصِّبْغِ مِنْ الصَّبَّاغِ، وَاللَّبَنِ فِي الرَّضَاعِ، وَالْحِبْرِ وَالْأَقْلَامِ مِنْ الْوَرَّاقِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِهَذِهِ الْأُصُولِ. وَفَارَقَ لَبِنَ الْحَائِطِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْصِيلُ الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ، وَلَا يَشُقُّ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِيَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا وَالْآجُرُّ مِنْ عِنْدِهِ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ مَا تَتِمُّ بِهِ الصَّنْعَةُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا، فَإِذَا كَانَ مُبَاحًا مَعْرُوفًا، جَازَ،