فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الرَّاكِبُ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ وَالْبَعِيرُ قَائِمٌ، كَالْمَرْأَةِ وَالشَّيْخِ وَالضَّعِيفِ وَالسَّمِينِ وَشِبْهِهِمْ، فَعَلَى الْجَمَّالِ أَنْ يُبْرِكَ الْجَمَلَ لِرُكُوبِهِ وَنُزُولِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ إلَّا بِهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ وَالنُّزُولُ وَالْبَعِيرُ قَائِمٌ، لَمْ يَلْزَم الْجَمَّالَ أَنْ يُبْرِكَ لَهُ الْجَمَلَ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِدُونِ هَذِهِ الْكُلْفَةِ. وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا حَالَ الْعَقْدِ، فَضَعُفَ فِي أَثْنَائِهِ، أَوْ ضَعِيفًا فَقَوِيَ، فَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الرُّكُوبِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى رُكُوبَهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ. وَيَلْزَمُ الْجَمَّالَ أَنْ يُوقِفَ الْبَعِيرَ لِيَنْزِلَ لِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ.
وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَطَهَارَتِهِ، وَيَدَعُ الْبَعِيرَ وَاقِفًا حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ، وَمَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَصَلَاةِ النَّافِلَةِ مِنْ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُبْرِكَهُ لَهُ، وَلَا يَقِفَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ
وَإِنْ أَرَادَ الْمُكْتَرِي إتْمَامَ الصَّلَاةِ، وَطَالَبَهُ الْجَمَّالُ بِقَصْرِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ; بَلْ تَكُونُ خَفِيفَةً فِي تَمَامٍ.
وَمِنْ اكْتَرَى بَعِيرًا لَإِنْسَانٍ يَرْكَبُهُ لِنَفْسِهِ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَفَّى لَهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ سِوَاهُ.
(4267) فَصْلٌ: وَإِذَا اكْتَرَى ظَهْرًا فِي طَرِيقٍ الْعَادَةُ فِيهِ النُّزُولُ وَالْمَشْيُ عِنْدَ اقْتِرَابِ الْمَنْزِلِ، وَالْمُكْتَرِي امْرَأَةٌ أَوْ ضَعِيفٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ ; لِأَنَّهُ اكْتَرَاهُ جَمِيعَ الطَّرِيقِ، وَلَمْ تَجْرِ لَهُ عَادَةٌ بِالْمَشْيِ، فَلَزِمَ حَمْلُهُ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ، كَالْمَتَاعِ. وَإِنْ كَانَ جَلْدًا قَوِيًّا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى جَمِيعِ الطَّرِيقِ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَرْكُهُ فِي بَعْضِهَا كَالضَّعِيفِ. وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ، وَالْمُتَعَارَفُ كَالْمَشْرُوطِ.
(4268) فَصْلٌ: وَإِنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنْ يَهْرُبَ بِجِمَالِهِ، فَيُنْظَرُ ; فَإِنْ لَمْ يَجِد الْمُسْتَأْجِرُ حَاكِمًا، أَوْ وَجَدَ حَاكِمًا وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْحَالِ عِنْدَهُ، أَوْ أَمْكَنَ الْإِثْبَاتُ عِنْدَهُ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَكْتَرِي بِهِ مَا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْهُ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَبْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، أَوْ انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عِنْدَ مَحَلِّهِ. فَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ، وَكَانَ الْجَمَّالُ قَدْ قَبَضَ الْأَجْرَ، كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمُقَامَ عَلَى الْعَقْدِ، وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَمَتَى قَدَرَ عَلَى الْجَمَّالِ طَالَبَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ انْقَضَتْ فِي هَرَبِهِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ
وَإِنْ أَمْكَنَهُ إثْبَاتُ الْحَالِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَكَانَ الْعَقْدُ عَلَى مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ، وَيَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ، وَيُثْبِتُ عِنْدَهُ، فَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ وَجَدَ لِلْجَمَّالِ مَالًا اكْتَرَى بِهِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَى الْجَمَّالِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مَا يَكْتَرِي لَهُ بِهِ، فَعَلَ، فَإِنْ دَفَعَ الْحَاكِمُ الْمَالَ إلَى الْمُكْتَرِي لِيَكْتَرِيَ لِنَفْسِهِ بِهِ، جَازَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَإِنْ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُكْتَرِي مَا يُكْرِي بِهِ، جَازَ، وَصَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَمَّالِ. وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مُعَيَّنٍ، لَمْ يَجُزْ إبْدَالُهُ، وَلَا اكْتِرَاءُ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَيَتَخَيَّرُ الْمُكْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ الْبَقَاءِ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَيُطَالِبَهُ بِالْعَمَلِ
.الْحَالُ الثَّانِي إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ، وَتَرَكَ جِمَالَهُ، فَإِنَّ الْمُكْتَرِيَ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ وَجَدَ لِلْجَمَّالِ