يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ فِيهِ الْغَيْرُ عَنْ الْغَيْرِ فَجَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، كَكِتَابَةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ {: أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ} .
(4194) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِحَصَادِ زَرْعِهِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يُؤْجِرُ نَفْسَهُ لِحَصَادِ الزَّرْعِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَهُ بِمُدَّةٍ، وَبِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ، مِثْلِ أَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى حَصَادِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا لِسَقْيِ زَرْعِهِ، وَتَنْقِيَتِهِ، وَدِيَاسِهِ، وَنَقْلِهِ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا لِيَحْتَطِبَ لَهُ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، أَشْبَهَ حَصَادَ الزَّرْعِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يَحْتَطِبَ لَهُ عَلَى حِمَارَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَنْقُلُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى حَمِيرٍ لِرَجُلٍ آخَرَ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْأُجْرَةَ. فَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَرْجِعُ عَلَى الْأَجِيرِ بِقِيمَةِ مَا اسْتَضَرَّ بِاشْتِغَالِهِ عَنْ عَمَلِهِ ; لِأَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ. فَاعْتَبَرَ الضَّرَرَ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَضِرَّ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ اكْتَرَاهُ لِعَمَلٍ، فَوَفَّاهُ عَلَى التَّمَامِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي حَالِ عَمَلِهِ، فَإِنْ ضَرَّ الْمُسْتَأْجِرَ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا فَوَّتَ عَلَيْهِ
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا عَمِلَهُ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ صَرَفَ مَنَافِعَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا إلَى عَمَلِ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، كَمَا لَوْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَجْرِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْآخَرِ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ، فَمَا حَصَلَ فِي مُقَابَلَتِهَا يَكُونُ لِلَّذِي اسْتَأْجَرَهُ.
(4195) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ فِي النَّفْسِ ; لِأَنَّ عَدَدَ الضَّرَبَاتِ تَخْتَلِفُ، وَمَوْضِعَ الضَّرَبَاتِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَضْرِبَ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ وَمِمَّا يَلِي الْكَتِفَ، فَكَانَ مَجْهُولًا. وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَائِهِ، لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، كَالْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ عَدَدَ الضَّرَبَاتِ يَخْتَلِفُ، وَهُوَ مَجْهُولٌ. يَبْطُلُ بِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، فَإِنَّ عَدَدَ الْغُرُزَاتِ مَجْهُولٌ. وَقَوْلُهُ: إنَّ مَحَلَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ
قُلْنَا: هُوَ مُتَقَارِبٌ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّتَهُ، كَمَوْضِعِ الْخِيَاطَةِ مِنْ حَاشِيَةِ الثَّوْبِ. وَالْأَجْرُ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: هُوَ عَلَى الْمُسْتَوْفِي، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ إلَّا التَّمْكِينُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةَ نَخْلِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ أَجْرٌ يَجِبُ لِإِيفَاءِ حَقٍّ، فَكَانَ عَلَى الْمُوَفِّي، كَأَجْرِ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ. وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّ الْقَطْعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَكَّنَهُ مِنْ الْقَطْعِ فَلَمْ يَقْطَعْ، وَقَطَعَهُ آخَرُ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ صَاحِبِ الْقِصَاصِ، وَلَوْ كَانَ التَّمْكِينُ تَسْلِيمًا، لَسَقَطَ حَقُّهُ كَالثَّمَرَةِ.
(4196) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ رَجُلٍ لِيَدُلَّهُ عَلَى طَرِيقٍ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، اسْتَأْجَرَا