الشَّهْرِ الثَّانِي فِي أَثْنَائِهِ، فَكَذَلِكَ كُلُّ شَهْرٍ يَأْتِي بَعْدَهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ كَالرِّوَايَتَيْنِ. وَهَكَذَا إنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى أَشْهُرٍ دُونَ السَّنَةِ وَإِنْ جَعَلَا الْمُدَّةَ سَنَةً رُومِيَّةً أَوْ شَمْسِيَّةً أَوْ فَارِسِيَّةً أَوْ قِبْطِيَّةً، وَكَانَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ، جَازَ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا، فَإِنَّ الشُّهُورَ الرُّومِيَّةَ مِنْهَا سَبْعَةٌ أَحَدَ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَأَرْبَعَةٌ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَشَهْرٌ وَاحِدٌ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَشُهُورُ الْقِبْطِ كُلُّهَا ثَلَاثُونَ ثَلَاثُونَ، وَزَادُوهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ لِتُسَاوِيَ سَنَتُهُمْ السَّنَةَ الرُّومِيَّةَ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَجْهُولَةٌ فِي حَقِّهِ
وَإِنْ أَجَرَهُ إلَى الْعِيدِ، انْصَرَفَ إلَى الَّذِي يَلِيهِ، وَتَعَلَّقَ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ جَعَلَهُ غَايَةً، فَتَنْتَهِي مُدَّةُ الْإِجَارَةِ بِأَوَّلِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْعِيدِ فِطْرًا أَوْ أَضْحَى، مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَوْ سَنَةِ كَذَا. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ عَلَّقَهُ بِشَهْرٍ يَقَعُ اسْمُهُ عَلَى شَهْرَيْنِ، كَجُمَادَى وَرَبِيعٍ، يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَذْكُرَ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ، مِنْ سَنَةِ كَذَا. وَإِنْ عَلَّقَهُ بِشَهْرٍ مُفْرَدٍ، كَرَجَبٍ وَشَعْبَانَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَهُ مِنْ أَيِّ سَنَةٍ. وَإِنْ عَلَّقَهُ بِيَوْمٍ، فَلَا بُدَّ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُبَيِّنَهُ مِنْ أَيِّ أُسْبُوعٍ
وَإِنْ عَلَّقَهُ بَعِيدٍ مِنْ أَعْيَادِ الْكُفَّارِ، صَحَّ إذَا عَلِمَاهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، وَقَدْ مَضَى نَحْوٌ مِنْ هَذَا.
(4156) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَنْ تَلِي الْعَقْدَ، بَلْ لَوْ أَجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهُمَا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ، أَوْ شَهْرَ رَجَبٍ فِي الْمُحَرَّمِ. صَحَّ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مَنْ هِيَ فِي إجَارَتِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ فِي الْحَالِ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ إلَّا عِنْدَ خُرُوجِهِ ; لِذَلِكَ
وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ يَجُوزُ الْعَقْدُ، عَلَيْهَا مَعَ غَيْرِهَا، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً مَعَ عُمُومِ النَّاسِ، كَاَلَّتِي تَلِي الْعَقْدَ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ وَلَا الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ حَالَ الْعَقْدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مَشْغُولَةً أَوْ غَيْرَ مَشْغُولَةٍ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَجَرَهَا مِنْ الْمُكْتَرِي، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ إنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ تَلِي الْعَقْدَ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ ابْتِدَائِهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيه، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ابْتِدَائِهَا، لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفِي الْعَقْدِ، فَاحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَتِهِ، كَالِانْتِهَاءِ
وَإِنْ أَطْلَقَ. فَقَالَ: أَجَرْتُك سَنَةً، أَوْ شَهْرًا. صَحَّ وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ. وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُسَمِّيَ الشَّهْرَ، وَيَذْكُرَ أَيَّ سَنَةٍ هِيَ ; فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا شَهْرًا، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمِّيَ الشَّهْرَ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} . وَلَمْ يَذْكُرْ ابْتِدَاءَهَا
وَلِأَنَّهُ تَقْدِيرٌ بِمُدَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قُرْبَةٌ، فَإِذَا أَطْلَقَهَا، وَجَبَ أَنْ تَلِيَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ، كَمُدَّةِ السَّلَمِ وَالْإِيلَاءِ، وَتُفَارِقُ النَّذْرَ ; فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ.