فهرس الكتاب

الصفحة 1652 من 3896

الْبَيْعَ حَصَلَ بِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْهَا كَوْنُ الْمَبِيعِ مُسْتَرْخِصًا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ أَصْلِ الْمُحَابَاةِ فِي حَقِّ الْوَارِثِ.

وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ وَارِثًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ; لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ وَقَعَتْ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا تَمَكُّنُ الْوَارِثِ مِنْ أَخْذِهَا، كَمَا لَوْ وَهَبَ غَرِيمَ وَارِثِهِ مَالًا، فَأَخَذَهُ الْوَارِثُ. وَالثَّانِي، يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّنَا لَوْ أَثْبَتْنَاهَا جَعَلْنَا لِلْمَوْرُوثِ سَبِيلًا إلَى إثْبَاتِ حَقٍّ لِوَارِثِهِ فِي الْمُحَابَاةِ، وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ لِغَرِيمِ الْوَارِثِ ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْوَارِثِ الْأَخْذَ بِدَيْنِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْهِبَةِ، وَهَذَا اسْتِحْقَاقُهُ بِالْبَيْعِ الْحَاصِلِ مِنْ مَوْرُوثِهِ، فَافْتَرَقَا.

وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ، وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. وَالثَّالِثُ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ ; لِإِفْضَائِهِ إلَى إيصَالِ الْمُحَابَاةِ إلَى الْوَارِثِ. وَهَذَا فَاسِدٌ ; لِأَنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ لِلْبَيْعِ. وَلَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ بِبُطْلَانِ فَرْعٍ لَهُ وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، مَا حَصَلَتْ لِلْوَارِثِ بِالْمُحَابَاةِ، إنَّمَا حَصَلَتْ لِغَيْرِهِ، وَوَصَلَتْ إلَيْهِ بِجِهَةِ الْأَخْذِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَأَشْبَهَ هِبَةَ غَرِيمِ الْوَارِثِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ، أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرٍ مَا عَدَا الْمُحَابَاةَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ، بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ الْمُقَابِلِ لِلْمُحَابَاةِ ; لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ بِالنِّصْفِ مَثَلًا هِبَةٌ لِلنِّصْفِ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ النِّصْفِ، مَا كَانَ لِلشَّفِيعِ الْأَجْنَبِيِّ أَخْذُ الْكُلِّ، لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَا شُفْعَةَ فِيهِ. الْخَامِسُ، أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ، وَهَذَا فَاسِدٌ ; لِأَنَّهَا مُحَابَاةٌ لِأَجْنَبِيٍّ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ، فَلَا تَبْطُلُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ الشِّقْصُ مَشْفُوعًا.

(4019) فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِأَخْذِهِ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: قَدْ أَخَذْته بِالثَّمَنِ. أَوْ تَمَلَّكْتُهُ بِالثَّمَنِ. أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إذَا كَانَ الثَّمَنُ وَالشِّقْصُ مَعْلُومَيْنِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يَمْلِكُهُ بِالْمُطَالَبَةِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ السَّابِقَ سَبَبٌ، فَإِذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ، كَانَ كَالْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ انْضَمَّ إلَيْهِ الْقَبُولُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْصُلُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ عَنْ مَالِكِهِ إلَى غَيْرِهِ قَهْرًا فَافْتَقَرَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، كَأَخْذِ دَيْنِهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حَاكِمٍ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِهَذَا الْأَصْلِ، وَبِأَخْذِ الزَّوْجِ نِصْفَ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَتَمَلَّكُهُ قَهْرًا، فَمَلَكَهُ بِالْأَخْذِ، كَالْغَنَائِمِ وَالْمُبَاحَاتِ، وَمَلَكَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى الْأَخْذِ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، لَكِنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَقِلُّ بِهِ، فَانْتَقَلَ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُمْ: يَمْلِكُ بِالْمُطَالَبَةِ بِمُجَرَّدِهَا. لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ بِهَا لَمَا سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ بِالْعَفْوِ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَلَوَجَبَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ شَفِيعَانِ. فَطَلَبَا الشُّفْعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ لِلْآخَرِ أَخْذُ قَدْرِ نَصِيبِهِ، وَلَا يَمْلِكُ أَخْذَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: قَدْ أَخَذْت الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الَّذِي تَمَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ. وَهُوَ عَالِمٌ بِقَدْرِهِ، وَبِالْمَبِيعِ، صَحَّ الْأَخْذُ، وَمَلْكُ الشِّقْصَ، وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ الشِّقْصَ يُؤْخَذُ قَهْرًا، وَالْمَقْهُورُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَالْآخِذُ قَهْرًا، لَا خِيَارَ لَهُ أَيْضًا كَمُسْتَرْجِعِ الْمَبِيعِ لِعَيْبِ فِي ثَمَنِهِ، أَوْ الثَّمَنِ لِعَيْبٍ فِي الْمَبِيعَ.

وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَجْهُولًا أَوْ الشِّقْصُ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْعِوَضَيْنِ، كَسَائِرِ الْبُيُوعِ. وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ يَتَعَرَّفُ مِقْدَارَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمَبِيعَ، فَيَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الْأَخْذَ مَعَ جَهَالَةِ الشِّقْصِ، بِنَاءً عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ.

(4020) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَ الشِّقْصِ، وَكَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَخَذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت