أَرْضَهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَغَرَّقَهَا، لَمْ يَضْمَنْ إذَا كَانَ فَعَلَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، وَلِأَنَّهَا سِرَايَةُ فِعْلٍ مُبَاحٍ، فَلَمْ يَضْمَنْ، كَسِرَايَةِ الْقَوَدِ، وَفَارَقَ مَنْ حَلَّ زِقًّا فَانْدَفَقَ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِحَلِّهِ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ خُرُوجُ الْمَائِعِ مِنْ الزِّقِّ الْمَفْتُوحِ، وَلَيْسَ الْغَالِبُ سِرَايَةَ هَذَا الْفِعْلِ الْمُعْتَادِ إلَى تَلَفِ مَالِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ، بِأَنْ أَجَّجَ نَارًا تَسْرِي فِي الْعَادَةِ لِكَثْرَتِهَا، أَوْ فِي رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحْمِلُهَا، أَوْ فَتَحَ مَاءً كَثِيرًا يَتَعَدَّى، أَوْ فَتَحَ الْمَاءَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، أَوْ أَوْقَدَ فِي دَارِ غَيْرِهِ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ. وَإِنْ سَرَى إلَى غَيْرِ الدَّارِ الَّتِي أَوْقَدَ فِيهَا، وَالْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَ الْمَاءَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا سِرَايَةُ عُدْوَانٍ، أَشْبَهَتْ سِرَايَةُ الْجُرْحِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ. وَإِنْ أَوْقَدَ نَارًا فَأَيْبَسَتْ أَغْصَانَ شَجَرَةِ غَيْرِهِ، ضَمِنَهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ نَارٍ كَثِيرَةٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَغْصَانُ فِي هَوَائِهِ، فَلَا يَضْمَنُهَا ; لِأَنَّ دُخُولَهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي دَارِهِ ; لِحُرْمَتِهَا. وَهَذَا الْفَصْلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ.
(4009) فَصْلٌ: وَإِنْ أَلْقَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبَ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ حِفْظُهُ ; لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ حَصَلَتْ تَحْتَ يَدِهِ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهُ، كَاللُّقَطَةِ. وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ، فَهُوَ لُقَطَةٌ تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهَا وَإِنْ عَرَفَ صَاحِبَهُ، لَزِمَهُ إعْلَامُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ، فَصَارَ كَالْغَاصِبِ.
وَإِنْ سَقَطَ طَائِرٌ فِي دَارِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ حِفْظُهُ، وَلَا إعْلَامُ صَاحِبِهِ ; لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ. وَإِنْ دَخَلَ بُرْجَهُ، فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ نَاوِيًا إمْسَاكَهُ لِنَفْسِهِ، ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي بُرْجِهِ كَيْفَ شَاءَ، فَلَا يَضْمَنُ مَالَ غَيْرِهِ بِتَلَفِهِ ضِمْنًا، لِتَصَرُّفِهِ الَّذِي لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ.
(4010) فَصْلٌ: إذَا أَكَلَتْ بَهِيمَةٌ حَشِيشَ قَوْمٍ، وَيَدُ صَاحِبِهَا عَلَيْهَا، لِكَوْنِهِ مَعَهَا، ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا، لَمْ يَضْمَنْ مَا أَكَلَتْهُ. وَإِذَا اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ بَهِيمَتَهُ، فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا وَهِيَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، سَوَاءٌ أَتْلَفَتْ شَيْئًا لِمَالِكِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ ضَمَانَهُ يَجِبُ بِالْيَدِ، وَالْيَدُ لِلْمُسْتَعِيرِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْبَهِيمَةُ فِي يَدِ الرَّاعِي، فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا، فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّاعِي دُونَ صَاحِبِهَا ; لِأَنَّ إتْلَافَهَا لِلزَّرْعِ فِي النَّهَارِ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهَا، وَالْيَدُ لِلرَّاعِي دُونَ الْمَالِكِ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَالْمُسْتَعِيرِ. وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ لِلْمَالِكِ، فَإِنْ كَانَ لَيْلًا ضَمِنَ أَيْضًا ; لِأَنَّ ضَمَانَ الْيَدِ أَقْوَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ جَمِيعًا.
(4011) فَصْلٌ: إذَا شَهِدَ بِالْغَصْبِ شَاهِدَانِ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَمْ تَتِمَّ الْبَيِّنَةُ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثَبَتَتْ الْبَيِّنَةُ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَإِنْ اخْتَلَفَ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَمْ تَثْبُتْ الْبَيِّنَةُ أَيْضًا. وَإِنْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ، وَحَلَفَ مَعَهُ، ثَبَتَ الْغَصْبُ، فَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ لَمْ نُوقِعْ طَلَاقَهُ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ بَيِّنَةٌ فِي الْمَالِ، لَا فِي الطَّلَاقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.