فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا، لَزِمَهُ رَدُّهَا ; لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى شُرْبِهَا. وَإِنْ غَصَبَهَا مِنْ مُسْلِمٍ، لَمْ يَلْزَمْ رَدُّهَا، وَوَجَبَتْ إرَاقَتُهَا ; {لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَأَمَرَهُ بِإِرَاقَتِهَا.} وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ} .
وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا فِي يَدِهِ حَتَّى صَارَتْ خَلًّا، لَزِمَ رَدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ; لِأَنَّهَا صَارَتْ خَلًّا، عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، فَلَزِمَ رَدُّهَا إلَيْهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ، ضَمِنَهَا لَهُ ; لِأَنَّهَا مَالٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ تَلِفَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَإِنْ أَرَاقَهَا فَجَمَعَهَا إنْسَانٌ، فَتَخَلَّلَتْ عِنْدَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ الْخَلِّ ; لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بَعْدَ إتْلَافِهَا، وَزَوَالِ الْيَدِ عَنْهَا.
(3999) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ كَلْبًا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، وَجَبَ رَدُّهُ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَاقْتِنَاؤُهُ، فَأَشْبَهَ الْمَالَ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ، لَمْ يَغْرَمْهُ. وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، لَمْ يَلْزَمْهُ أَجْرٌ ; لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ.
وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَهَارَتِهِ بِالدَّبْغِ، فَمِنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ، أَوْجَبَ رَدَّهُ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ، فَهُوَ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ. وَمِنْ قَالَ: لَا يَطْهُرُ. لَمْ يُوجِبْ رَدَّهُ ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إصْلَاحِهِ. فَإِنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ أَتْلَفَ مَيْتَةً بِجِلْدِهَا، لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ. وَإِنْ دَبَغَهُ الْغَاصِبُ، لَزِمَ رَدُّهُ إنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ ; لِأَنَّهُ كَالْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ رَدُّهُ ; لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا بِفِعْلِهِ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَطْهُرُ. لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ رَدُّهُ، إذَا قُلْنَا: يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْيَابِسَاتِ. لِأَنَّهُ نَجِسٌ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، أَشْبَهَ الْكَلْبَ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ الدَّبْغِ.
(4000) فَصْلٌ: وَإِنْ كَسَرَ صَلِيبًا، أَوْ مِزْمَارًا، أَوْ طُنْبُورًا، أَوْ صَنَمًا، لَمْ يَضْمَنْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ ذَلِكَ إذَا فُصِلَ يَصْلُحُ لِنَفْعٍ مُبَاحٍ وَإِذَا كُسِرَ لَمْ يَصْلُحْ لِنَفْعٍ مُبَاحٍ، لَزِمَهُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مُفَصَّلًا وَمَكْسُورًا ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بِالْكَسْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {بُعِثْت بِمَحْقِ الْقَيْنَاتِ وَالْمَعَازِفِ.}
(4001) فَصْلٌ: وَإِنْ كَسَرَ آنِيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، لَمْ يَضْمَنْهَا ; لِأَنَّ اتِّخَاذَهَا مُحَرَّمٌ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَضْمَنُ، فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ فِي مَنْ هَشَّمَ عَلَى غَيْرِهِ إبْرِيقًا فِضَّةً: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، يَصُوغُهُ كَمَا كَانَ. قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اتِّخَاذِهَا ؟} فَسَكَتَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ فِيمَنْ كَسَرَ إبْرِيقَ فِضَّةٍ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمُبَاحٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَالْمَيْتَةِ.
وَرِوَايَةُ مُهَنَّا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ ; لِكَوْنِهِ سَكَتَ حِينَ ذَكَرَ السَّائِلُ تَحْرِيمَهُ، وَلِأَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قَالَ: يَصُوغُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ صِيَاغَتُهُ. فَكَيْفَ يَجِبُ ذَلِكَ،.
(4002) فَصْلٌ: وَإِنْ كَسَرَ آنِيَةَ الْخَمْرِ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، يَضْمَنُهَا ; لِأَنَّهَا مَالٌ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ،