فهرس الكتاب

الصفحة 1636 من 3896

لِيَصِلَ الْغَاصِبُ إلَى ثَمَنِ صِبْغِهِ. الْقَسَمُ الثَّانِي، أَنْ يَغْصِبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا مِنْ وَاحِدٍ، فَيَصْبُغَهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُمَا وَلَمْ تَنْقُصْ، رَدَّهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ زَادَتْ الْقِيمَةُ فَهِيَ لِلْمَالِكِ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ ; وَلِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ فِي الصِّبْغِ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ. وَإِنْ نَقَصَتْ بِالصَّبْغِ، فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ ; لِأَنَّهُ بِتَعَدِّيهِ.

وَإِنْ نَقَصَ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ لَمْ يَضْمَنْهُ. الْقَسَمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَغْصِبَ ثَوْبَ رَجُلٍ وَصِبْغَ آخَرَ، فَيَصْبُغَهُ بِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَتَانِ بِحَالِهِمَا، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالِهِمَا، وَإِنْ زَادَتْ، فَالزِّيَادَةُ لَهُمَا، وَإِنْ نَقَصَتْ بِالصَّبْغِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَيَكُونُ النَّقْصُ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ ; لِأَنَّهُ تَبَدَّدَ فِي الثَّوْبِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ نَقَصَ لِنَقْصِ سِعْرِ الثِّيَابِ، أَوْ سِعْرِ الصِّبْغِ، أَوْ لِنَقْصِ سِعْرِهِمَا، لَمْ يَضْمَنْهُ الْغَاصِبُ، وَكَانَ نَقْصُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ.

وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الصِّبْغِ قَلْعَهُ، أَوْ أَرَادَ ذَلِكَ صَاحِبُ الثَّوْبِ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ مَا لَوْ صَبَغَهُ الْغَاصِبُ بِصَبْغٍ مِنْ عِنْدِهِ، عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. وَإِنْ غَصَبَ عَسَلًا وَنَشَاءً، وَعَقَدَهُ حَلْوَاءَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ. الْحُكْمُ الثَّانِي، أَنَّهُ مَتَى كَانَ لِلْمَغْصُوبِ أَجْرٌ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ. هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَضْمَنُ الْمَنَافِعَ. وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ غَصَبَ دَارًا فَسَكَنَهَا عِشْرِينَ سَنَةً: لَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ سُكْنَى مَا سَكَنَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَوَقُّفِهِ عَنْ إيجَابِ الْأَجْرِ، إلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ ; لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَكَمِ مَاتَ قَبْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْأَجْرَ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ} . وَضَمَانُهَا عَلَى الْغَاصِبِ، وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مُطَاوِعَةٍ.

وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا ضَمِنَهُ بِالْإِتْلَافِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، جَازَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمُجَرَّدِ الْإِتْلَافِ، كَالْأَعْيَانِ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مُتَقَوِّمًا، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَالْأَعْيَانِ. أَوْ نَقُولُ: مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مَغْصُوبٌ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَالْعَيْنِ. فَأَمَّا الْخَبَرُ، فَوَارِدٌ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْغَاصِبُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُشْبِهُ الزِّنَى ; لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِتْلَافِ مَنَافِعِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا عَقْدٍ يَقْتَضِي الْعِوَضَ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعَارَهُ دَارِهِ. وَلَوْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ، لَزِمَهُ مَهْرُهَا.

وَالْخِلَافُ فِي مَا لَهُ مَنَافِعُ تُسْتَبَاحُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، كَالْعَقَارِ وَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا، فَأَمَّا الْغَنَمُ وَالشَّجَرُ وَالطَّيْرُ وَنَحْوُهَا، فَلَا شَيْءَ فِيهَا ; لِأَنَّهُ لَا مَنَافِعَ لَهَا يُسْتَحَقُّ بِهَا عِوَضٌ. وَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً وَلَمْ يَطَأْهَا، وَمَضَتْ عَلَيْهَا مُدَّةٌ تُمْكِنُ الْوَطْءَ فِيهَا، لَمْ يَضْمَنْ مَهْرَهَا ; لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ لَا تَتْلَفُ إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تُقَدَّرُ بِزَمَنٍ، فَيَكُونُ مُضِيُّ الزَّمَانِ بِتَلَفِهَا، بِخِلَافِ الْمَنْفَعَةِ.

(3991) فَصْلٌ: إذَا غَصَبَ طَعَامًا، فَأَطْعَمَهُ غَيْرَهُ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ; لِأَنَّ الْغَاصِبَ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَالْآكِلُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَقَبَضَهُ عَنْ يَدِ ضَامِنِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، فَإِنْ كَانَ الْآكِلُ عَالِمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت