فهرس الكتاب

الصفحة 1599 من 3896

كَيَدِهِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤْجِرَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَنَافِعَ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُمَلِّكَهَا. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِعْمَالَ الْمُعَارِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ غَيْرَهُ. وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالُوا فِي الْآخَرِ: لَهُ ذَلِكَ.

وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُمَلِّكُهُ عَلَى حَسَبِ مَا مَلَكَهُ، فَجَازَ كَمَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤْجَرَ. قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا اسْتَعَارَ ثَوْبًا لِيَلْبَسهُ هُوَ، فَأَعْطَاهُ غَيْرَهُ، فَلَبِسَهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ. وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَنْ يَلْبَسُهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهَا إلَّا الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ بِهَا الَّذِي أُعِيرَهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّ الْعَارِيَّةَ إبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبِيحَهَا غَيْرَهُ كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ.

وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ، فَمَلَكَ أَنْ يُمَلِّكَهَا، وَفِي الْعَارِيَّةِ لَمْ يَمْلِكْهَا، إنَّمَا مَلَكَ اسْتِيفَاءَهَا عَلَى وَجْهِ مَا أُذِنَ لَهُ، فَأَشْبَهَ مِنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الطَّعَامِ. فَعَلَى هَذَا، إنْ أَعَارَ فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَلَّطَ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالثَّانِي اسْتَوْفَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي ; لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَصَلَ مِنْهُ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي لَمْ يَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَقِرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ غَرَّ الثَّانِيَ، وَدَفَعَ إلَيْهِ الْعَيْنَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ.

وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الثَّانِي، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ، رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ.

(3922) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعَارَهُ شَيْئًا، وَأَذِنَ لَهُ فِي إجَارَتِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، أَوْ فِي إعَارَتِهِ مُطْلَقًا، أَوْ مُدَّةً، جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لِمَالِكِهِ، فَجَازَ مَا أَذِنَ فِيهِ. وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ ; لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ، وَتَكُونُ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَا يُوجِبُ ضَمَانًا.

وَإِنْ أَجَرَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الضَّمَانُ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَارِيَّةِ..

(3923) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ عَبْدًا لِيَرْهَنهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عِنْدَ رَجُلٍ، عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَرَهَنَ ذَلِكَ عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَهُ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَهُ، فَصَحَّ، كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ. وَلَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ الدِّينِ وَجِنْسِهِ ; لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعِلْمُ.

وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ. وَلَنَا، أَنَّهَا عَارِيَّةٌ لِجِنْسٍ مِنْ النَّفْعِ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، كَعَارِيَّةِ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ. وَلَا يَصِيرُ الْمُعِيرُ ضَامِنًا لِلدَّيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَصِيرُ ضَامِنًا لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ ; لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ مَنْفَعَةُ الْعَيْنِ، وَالْمَنْفَعَةُ هَاهُنَا لِلْمَالِكِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ضَمَانٌ.

وَلَنَا، أَنَّهُ أَعَارَهُ لِيَقْضِيَ مِنْهُ حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَكُنْ ضَامِنًا، كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَارِيَّةِ النَّفْعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ النَّفْعِ فَهُوَ لِمَالِكِ الْعَيْنِ. وَإِنْ عَيَّنَ الْمُعِيرُ قَدْرَ الدَّيْنِ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ وَجِنْسَهُ، أَوْ مَحَلًّا، تَعَيَّنَ ; لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، فَإِنْ خَالَفَهُ فِي الْجِنْسِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِي رَهْنِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت