فهرس الكتاب

الصفحة 1560 من 3896

وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا فِي كَلَامِهِمْ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَجْعَلُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لَغْوًا، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ شَيْئًا بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ، ثُمَّ رَفَعَهُ كُلَّهُ، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مِنْهَا وَهِيَ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلَى بَعْضِهَا، فَأَمَّا الْآيَةُ وَالْخَبَرُ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمْ يَرْفَعْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ، إنَّمَا أَخْرَجَ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ مَعًا مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ، فَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَالَ لِلْبَوَّابِ: مَنْ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ فَأْذَنْ لَهُ، وَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، إلَّا فُلَانًا.

وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا مَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا عَمْرًا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْجُمْلَةَ الْأُولَى كُلَّهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا زَيْدًا. وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ; لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه، وَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَاسِدٌ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.

(3826) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ، وَعَطَفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، كَانَ مُضَافًا إلَيْهِ. فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، وَإِلَّا دِرْهَمَيْنِ. كَانَ مُسْتَثْنِيًا لِخَمْسَةِ مُبْقِيًا لِخَمْسَةٍ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلَى الْأَوَّلِ، كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، قَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {قَالُوا إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلَّا آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ} .

فَإِذَا كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ إثْبَاتًا، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ نَفْيًا وَالثَّانِي إثْبَاتًا، فَإِنْ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً ثَالِثًا، كَانَ نَفْيًا يَعُودُ كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ الْكَلَامِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا. كَانَ مُقِرًّا بِثَمَانِيَةٍ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتَ عَشْرَةً، ثُمَّ نَفَى مِنْهَا ثَلَاثَةً وَأَثْبَتَ دِرْهَمًا، وَبَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَنْفِيَّةِ دِرْهَمَانِ مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ الْعَشَرَةِ، فَيَبْقَى مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ، وَسَنَزِيدُ لِهَذَا الْفَصْلِ فُرُوعًا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ.

(3827) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ هِبَةً، أَوْ سُكْنَى، أَوْ عَارِيَّةٌ كَانَ إقْرَارًا بِمَا أَبْدَلَ بِهِ كَلَامَهُ، وَلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِالدَّارِ ; لِأَنَّهُ رَفَعَ بِآخِرِ كَلَامِهِ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي أَوَّلِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِجُمْلَةٍ وَاسْتَثْنَى بَعْضَهَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذَا وَجْهًا، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلَيْسَ هَذَا اسْتِثْنَاءً، إنَّمَا هَذَا بَدَلٌ، وَهُوَ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ. وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبَدَلِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ، وَهُوَ أَنْ يُبْدِلَ مِنْ الشَّيْءِ بَعْضَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} . فَأَبْدَلَ الْقِتَالَ مِنْ الشَّهْرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ.

وَقَالَ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} . أَيْ أَنْسَانِي ذِكْرَهُ. وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ ثُلُثُهَا. أَوْ قَالَ: رُبْعُهَا. صَحَّ، وَيَكُونُ مُقِرًّا بِالْجُزْءِ الَّذِي أَبْدَلَهُ، وَهَذَا بَدَلُ الْبَعْضِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاسْتِثْنَاءٍ.

وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: {قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ} .

وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا} . وَلَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، فِي كَوْنِهِ يُخْرِجُ مِنْ الْكَلَامِ بَعْضَ مَا يَدْخُلُ فِيهِ لَوْلَاهُ، وَيُفَارِقُهُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْدَلَ الْمُسْتَطِيعَ لِلْحَجِّ مِنْ النَّاسِ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِمْ، وَأَبْدَلَ الْقِتَالَ مِنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت