قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدَيْنِ صَفْقَةً. فَاشْتَرَى عَبْدَيْنِ لِاثْنَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَهُمَا، مِنْ وَكِيلِهِمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ، جَازَ. وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدٌ مُفْرَدٌ، فَاشْتَرَاهُمَا مِنْ الْمَالِكَيْنِ، بِأَنْ أَوْجَبَا لَهُ الْبَيْعَ فِيهِمَا، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ; لِأَنَّ الْقَبُولَ هُوَ الشِّرَاءُ، وَهُوَ مُتَّحِدٌ، وَالْغَرَضُ لَا يَخْتَلِفُ. وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا مِنْ وَكِيلِهِمَا، وَعَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ، هَذَا بِمِائَةٍ وَهَذَا بِمِائَتَيْنِ. فَقَالَ: قَبِلْت. احْتَمَلَ أَيْضًا وَجْهَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ وَيُقَسَّطَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا.
(3791) فَصْلٌ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ اشْتَرِ لِي بِهَذِهِ عَبْدًا. كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنِهَا، وَفِي الذِّمَّةِ ; لِأَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ، كَانَ لَهُ فِعْلُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا. وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ بِعَيْنِهَا. فَاشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ نَقَدَهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ ; لِأَنَّهُ إذَا تَعَيَّنَ الثَّمَنُ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مَغْصُوبًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا غَرَضٌ لِلْمُوَكِّلِ، فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ، وَيَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ.
وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِك، وَانْقُدْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ثَمَنًا. فَاشْتَرَاهُ بِعَيْنِهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ ; لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي عَقْدٍ يَلْزَمُهُ بِهِ الثَّمَنُ مَعَ بَقَاءِ الدَّرَاهِمِ وَتَلَفِهَا، فَكَانَ إذْنًا فِي عَبْدٍ لَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إلَّا مَعَ بَقَائِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، لِكَوْنِهَا فِيهَا شُبْهَةٌ لَا يُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا، أَوْ يُحِبُّ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا، وَلَا يَبْطُلُ بِتَحْرِيمِهَا، وَهَذَا غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ غَرَضِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
(3792) فَصْلٌ: وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الشِّرَاءَ بِنَقْدٍ أَوْ حَالًا، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي النَّسِيئَةِ وَالْبَيْعِ بِأَيِّ نَقْدٍ شَاءَ، جَازَ. وَإِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَبِعْ إلَّا حَالًّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الْحُلُولُ، وَإِطْلَاقُ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ، حُمِلَ عَلَى الْحُلُولِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ. وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ، بَاعَ بِأَغْلَبِهِمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا، بَاعَ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً ; لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فَأَشْبَهَ الْحَالَ. وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي الْمُضَارِبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا. وَالْأَوَّلُ ; أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ الْبَيْعَ حُمِلَ عَلَى الْحُلُولِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ فِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ تَسَاوِي الْعَادَةِ فِيهِمَا، فَإِنَّ بَيْعَ الْحَالِ أَكْثَرُ، وَيُفَارِقُ الْمُضَارَبَةَ لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدِهِمَا، أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمُضَارَبَةِ الرِّبْحُ، لَا دَفْعُ الْحَاجَةِ بِالثَّمَنِ فِي الْحَالِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ فِي الْوَكَالَةِ دَفْعَ حَاجَةٍ نَاجِزَةٍ تَفُوتُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ. وَالثَّانِي، أَنَّ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ فِي الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ، فَيَعُودُ ضَرَرُ التَّأْخِيرِ فِي التَّقَاضِي عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ، فَلَا يَرْضَى بِهِ الْمُوَكِّلُ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي تَوَى الثَّمَنِ عَلَى الْمُضَارِبِ، لِأَنَّهُ يَحْسِبُ مِنْ الرِّبْحِ، لِكَوْنِ الرِّبْحِ وِقَايَةً لِرَأْسِ الْمَالِ، وَهَا هُنَا يَعُودُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَانْقَطَعَ الْإِلْحَاقُ.
(3793) فَصْلٌ: إذَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ نَسِيئَةً، فَبَاعَهَا نَقْدًا بِدُونِ ثَمَنِهَا نَسِيئَةً، أَوْ بِدُونِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ، لَمْ