فهرس الكتاب

الصفحة 1491 من 3896

التَّصَرُّفُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ وَالِاحْتِيَاطِ، وَفِي النَّسِيئَةِ تَغْرِيرٌ بِالْمَالِ، وَقَرِينَةُ الْحَالِ تُقَيِّدُ مُطْلَقَ الْكَلَامِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْهُ حَالًا.

وَالثَّانِيَة: أَنَّهُ، يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ إذْنَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ يَنْصَرِفُ إلَى التِّجَارَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَهَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ، وَلِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الرِّبْحَ، وَالرِّبْحُ فِي النَّسَاءِ أَكْثَرُ. وَيُفَارِقُ الْوَكَالَةَ الْمُطْلَقَةَ ; فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِقَصْدِ الرِّبْحِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ فَحَسْبُ، فَإِذَا أَمْكَنَ تَحْصِيلُهُ مِنْ غَيْرِ خَطَرٍ، كَانَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ الْمُطْلَقَةَ فِي الْبَيْعِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَاجَةَ الْمُوَكِّلِ إلَى الثَّمَنِ نَاجِزَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهُ، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَة.

وَإِنْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك. فَلَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ: تَصَرَّفْ كَيْف شِئْت، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً فِي الْمَوْضِعَيْنِ ; لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ.

وَلَنَا، أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ لَفْظِهِ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ تَدُلُّ عَلَى رِضَائِهِ بِرَأْيِهِ فِي صِفَاتِ الْبَيْعِ، وَفِي أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، وَهَذَا مِنْهَا.

فَإِذَا قُلْنَا: لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً. فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَمَهْمَا فَاتَ مِنْ الثَّمَنِ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ، إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ بِبَيْعِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ، أَوْ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ الثَّمَنِ الَّذِي انْكَسَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي.

وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: يَقِفُ بَيْعُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْإِجَازَةِ. فَهَاهُنَا مِثْلُهُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ صِحَّةَ ; الْبَيْعِ ; فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الضَّمَانَ ; وَلَمْ يَذْكُرْ فَسَادَ الْبَيْعِ.

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَلْزَمُ الْعَامِلَ الضَّمَانُ ; لِأَنَّ ذَهَابَ الثَّمَنِ حَصَلَ بِتَفْرِيطِهِ.

فَإِنْ قُلْنَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ، ضَمِنَ الْمَبِيعَ بِقِيمَتِهِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهُ، إمَّا لِتَلَفِ الْمَبِيعِ أَوْ امْتِنَاعِ الْمُشْتَرِي مِنْ رَدِّهِ إلَيْهِ.

وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ بِالْبَيْعِ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَلَا يُتَحَفَّظُ بِتَرْكِهِ سِوَاهَا، وَزِيَادَةُ، الثَّمَنِ حَصَلَتْ بِتَفْرِيطِهِ، فَلَا يَضْمَنُهَا. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْبَيْعِ، وَفَاتَ بِتَفْرِيطِ الْبَائِعِ.

وَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْقِيمَةِ، فَقَدْ انْتَقَلَ، الْوُجُوبُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الثَّمَنُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا.

(3661) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِالْمَالِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ فِي السَّفَرِ تَغْرِيرًا بِالْمَالِ وَخَطَرًا، وَلِهَذَا يُرْوَى:"إنَّ الْمُسَافِرَ وَمَالَهُ لَعَلَى خَطَرٍ"قُلْت، إلَّا مَا وَقَى اللَّهُ تَعَالَى: أَيْ هَلَاكٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّغْرِيرُ بِالْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي، لَهُ السَّفَرُ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا. قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ، بِنَاءً عَلَى السَّفَرِ الْوَدِيعَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِالتِّجَارَةِ سَفَرًا وَحَضَرًا،. وَلِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، فَمَلَكَ ذَلِكَ بِمُطْلَقِهَا، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي الْمُطْلَقِ.

فَأَمَّا إنْ أُذِنَ فِي السَّفَرِ، أَوْ نُهِيَ عَنْهُ، أَوْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، تَعَيَّنَ ذَلِكَ، وَثَبَتَ مَا أُمِرَ بِهِ. وَحَرُمَ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.

وَكَذَلِكَ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ السَّفَرُ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٌ، وَلَا إلَى بَلَدٍ مَخُوفٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَتْلَفُ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِفِعْلِ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ. وَإِنْ سَافَرَ فِي طَرِيقٍ آمِنٍ جَازَ، وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ.

وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ. ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُنْفِقُ مِنْ الْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ، إذَا شَخَصَ بِهِ عَنْ الْبَلَدِ ; لِأَنَّ سَفَرَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ، فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت