فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 3896

فَضِفَّةُ سَرْجِهِ، أَوْ مَعْرِفَةُ دَابَّتِهِ.

وَأَجَازَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، التَّيَمُّمَ بِصَخْرَةٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهَا، وَتُرَابٍ نَدِيٍّ لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ غُبَارٌ. وَأَجَازَ مَالِكٌ التَّيَمُّمَ بِالثَّلْجِ، وَالْجِبْسِ، وَكُلِّ مَا تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ اللِّبْدِ وَالثَّوْبِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ضَرَبَ بِيَدِهِ نَفَخَهُمَا. وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ."وَمِنْ"لِلتَّبْعِيضِ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَمْسَحَ بِجُزْءٍ مِنْهُ، وَالنَّفْخُ لَا يُزِيلُ الْغُبَارَ الْمُلَاصِقَ، وَذَلِكَ يَكْفِي.

(356) فَصْلٌ: إذَا خَالَطَ التُّرَابُ مَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْجِصِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ، إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمُخَالِطِ، لَمْ يَجُزْ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَمْنَعُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ فِي الْعُضْوِ، فَمَنَعَ وُصُولَ التُّرَابِ إلَيْهِ. وَهَذَا فِيمَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ، فَأَمَّا مَا لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ، فَلَا يَمْنَعُ ; فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ الشَّعِيرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ عَلَى الْيَدِ مِنْهُ مَا يَحُولُ بَيْنَ الْغُبَارِ وَبَيْنَهَا.

(357) فَصْلٌ: إذَا كَانَ فِي طِينٍ لَا يَجِدُ تُرَابًا، فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَأْخُذُ الطِّينَ، فَيَطْلِي بِهِ جَسَدَهُ. فَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ. وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ قَبْلَ جَفَافِهِ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَجِفُّ قَرِيبًا انْتَظَرَ جَفَافَهُ، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ ; لِأَنَّهُ كَطَالِبِ الْمَاءِ الْقَرِيبِ، وَالْمُشْتَغِلِ بِتَحْصِيلِهِ مِنْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ. وَإِنْ لَطَّخَ وَجْهَهُ بِطِينٍ، لَمْ يُجْزِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّعِيدِ ; وَلِأَنَّهُ لَا غُبَارَ فِيهِ، أَشْبَهَ التُّرَابَ النَّدِيَّ.

(358) فَصْلٌ: وَإِنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَقْدِرَ، ثُمَّ يَقْضِيَ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تُسْقِطُ الْقَضَاءَ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، كَصِيَامِ الْحَائِضِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلِّي وَلَا يَقْضِي ; لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الطَّهَارَةِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، كَالْحَائِضِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ عَنْ مَالِكٍ. وَذَكَرَ عَنْ أَصْحَابِهِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيُعِيدُ. وَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي"صَحِيحِهِ" {، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أُنَاسًا لِطَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، وَلَا أَمَرَهُمْ، بِإِعَادَةٍ} .

فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ; وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، فَلَمْ تُؤَخَّرْ الصَّلَاةُ عِنْدَ عَدَمِهَا، كَالسُّتْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِذَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ التُّرَابَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ.

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ ; وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، كَسَائِرِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا ; وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ عَلَى حَسَبِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، كَالْعَاجِزِ عَنْ السُّتْرَةِ إذَا صَلَّى عُرْيَانًا، وَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِهَا، وَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ إذَا صَلَّى جَالِسًا، وَقِيَاسُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْحَائِضِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت