فهرس الكتاب

الصفحة 1372 من 3896

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ مَتَى حُجِرَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ سِلْعَتَهُ الَّتِي بَاعَهُ إيَّاهَا بِعَيْنِهَا، بِالشُّرُوطِ الَّتِي يَذْكُرُهَا، مَلَكَ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ لَهُ حَقُّ الْإِمْسَاكِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَلَمَّا سَلَّمَهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْإِمْسَاكِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ بِالْإِفْلَاسِ، كَالْمُرْتَهِنِ إذَا سَلَّمَ الرَّهْنَ إلَى الرَّاهِنِ. وَلِأَنَّهُ سَاوَى الْغُرَمَاءَ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَيُسَاوِيهِمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَسَائِرِهِمْ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى رَجُلٍ يَرَى الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ، جَازَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالْإِقَالَةِ، فَجَازَ فِيهِ الْفَسْخُ ; لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا تَعَذَّرَ. وَلِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا، فَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ، اسْتَحَقَّ الْفَسْخَ، وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالثَّمَنِ، فَالْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ أَوْلَى. وَيُفَارِقُ الْمَبِيعُ الرَّهْنَ ; فَإِنْ إمْسَاكَ الرَّهْنِ إمْسَاكٌ مُجَرَّدٌ عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ، وَالثَّمَنُ هَاهُنَا بَدَلٌ عَنْ الْعَيْنِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، رَجَعَ إلَى الْمُبْدَلِ. وَقَوْلُهُمْ: تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ. قُلْنَا: لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الشَّرْطِ، فَإِنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ شَرْطٌ لِمِلْكِ الْفَسْخِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَجِدْهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَجَعَ فِي السِّلْعَةِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْجِعْ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ مُسَاوِيَةً لِثَمَنِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ; لِأَنَّ الْإِعْسَارَ سَبَبٌ يُثْبِتُ جَوَازَ الْفَسْخِ، فَلَا يُوجِبهُ، كَالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ، وَلَا يَفْتَقِرُ الْفَسْخُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ فَسْخٌ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، كَفَسْخِ النِّكَاحِ لِعِتْقِ الْأَمَةِ.

(3407) فَصْلٌ: وَهَلْ خِيَارُ الرُّجُوعِ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، هُوَ عَلَى التَّرَاخِي ; لِأَنَّهُ حَقُّ رُجُوعٍ يَسْقُطُ إلَى عِوَضٍ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ. وَالثَّانِي، هُوَ عَلَى الْفَوْرِ ; لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ لِنَقْصٍ فِي الْعِوَضِ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَلِأَنَّ جَوَازَ تَأْخِيرِهِ يُفْضِي إلَى الضَّرَرِ بِالْغُرَمَاءِ، لِإِفْضَائِهِ إلَى تَأْخِيرِ حُقُوقِهِمْ، فَأَشْبَهَ خِيَارَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ. وَنَصَرَ الْقَاضِي هَذَا الْوَجْهَ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.

(3408) فَصْلٌ: فَإِنْ بَذَلَ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ لِيَتْرُكَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ ; لِأَنَّ الرُّجُوعَ إنَّمَا يَجُوزُ لِدَفْعِ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ النَّقْصِ فِي الثَّمَنِ، فَإِذَا بُذِلَ بِكَمَالِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ زَالَ الْعَيْبُ مِنْ الْمَعِيبِ. وَلَنَا، الْخَبَرُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِدَفْعِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى قَبْضِهِ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ، فَبَذَلَهَا غَيْرُهُ، أَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، فَبَذَلَ غَيْرُهُ مَا عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ، وَسَوَاءٌ بَذَلُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ خَصُّوهُ بِثَمَنِهِ مِنْ التَّرِكَةِ، وَفِي هَذَا الْقَسَمِ ضَرَرٌ آخَرُ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَجَدُّدَ ثُبُوتِ دَيْنٍ آخَرَ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَفَعُوا إلَى الْمُفْلِسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت