وَإِنَّمَا الرَّاهِنُ ظَلَمَهُ. وَإِنْ عَدِمَ الرَّسُولَ، أَوْ تَعَذَّرَ إحْلَافُهُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا أَذِنَ فِي رَهْنِهِ إلَّا بِعَشْرَةٍ، وَلَا قَبَضَ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَيَبْقَى الرَّهْنُ بِالْعَشَرَةِ الْأُخْرَى.
(3392) فَصْلٌ: إذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَانِ، أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ، وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ، فَقَضَى أَلْفًا، وَقَالَ: قَضَيْت دَيْنَ الرَّهْنِ. وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ قَضَيْت الدَّيْنَ الْآخَرَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينه، سَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي نِيَّةِ الرَّاهِنِ بِذَلِكَ أَوْ فِي لَفْظِهِ ; لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ وَصِفَةِ، دَفْعِهِ، وَلِأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الدَّيْنَ الْبَاقِيَ بِلَا رَهْنٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْقَضَاءَ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهُ صَرْفُهَا إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ، فَأَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا، كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ عَنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ شَاءَ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ بَعْضِهِمْ: يَقَعُ الدَّفْعُ عَنْ الدَّيْنَيْنِ مَعًا، عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ; لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْقَضَاءِ، فَتُسَاوَيَا فِي وُقُوعِهِ عَنْهُمَا، فَأَمَّا إنْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ، وَاخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الرَّاهِنِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
(3393) فَصْلٌ: وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُتَرَاهِنَانِ عَلَى قَبْضِ الْعَدْلِ لِلرَّهْنِ لَزِمَ الرَّهْنُ فِي حَقِّهِمَا، وَلَمْ يَضُرَّ إنْكَارُهُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَبَضَهُ الْعَدْلُ. فَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ. وَلَوْ شَهِدَ الْعَدْلُ بِالْقَبْضِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةُ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ.
(3394) فَصْلٌ: إذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فَقَالَ: رَهَنْتنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ: بَلْ قَدْ غَصَبْته، أَوْ اسْتَعَرْته. فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِالدَّيْنِ أَوْ جَحَدَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّهْنِ. وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ: بِعْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ قَالَ: بَلْ رَهَنْته عِنْدِي بِهَا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْعَقْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ، وَيَأْخُذُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ. وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: رَهَنْتَكَهُ بِأَلْفٍ أَقْرَضْتنِيهِ. قَالَ: بَلْ بِعْتنِيهِ بِأَلْفٍ قَبَضْته مِنِّي ثَمَنًا. فَكَذَلِكَ، وَيَرُدُّ صَاحِبُ الْعَبْدِ الْأَلْفَ، وَيَأْخُذُ عَبْدَهُ.
(3395) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلَيْنِ، فَقَالَ: رَهَنْتُمَانِي عَبْدَكُمَا بِدَيْنِي عَلَيْكُمَا. فَأَنْكَرَاهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا، فَإِنْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَصِيرَ جَمِيعُهُ رَهْنًا، أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَصِيرَ نَصِيبُ الْآخَرِ رَهْنًا، وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وَحْدَهُ. وَإِنْ شَهِدَ الْمُقِرُّ عَلَى الْمُنْكِرِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا ; لِأَنَّهُ لَا يَجْلُبُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا. وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا أَنْكَرَا جَمِيعًا فِي شَهَادَتِهِمَا نَظَرَ ; لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ يَدَّعِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظَالِمٌ لَهُ بِجُحُودِهِ حَقَّهُ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِذَا طَعَنَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي شُهُودِهِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ لَهُ. قُلْنَا: لَا يَصِحُّ هَذَا ; فَإِنَّ إنْكَارَ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ بِهِ فِسْقُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَنْسَى، أَوْ تَلْحَقهُ شُبْهَةٌ فِيمَا يَدَّعِيه أَوْ يُنْكِرهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَدَاعَى رَجُلَانِ شَيْئًا، وَتَخَاصَمَا فِيهِ، ثُمَّ شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَيْءٍ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فِي مُخَالَفَتِهِ لِصَاحِبِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْفِسْقُ بِذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا جَمِيعًا، مَعَ تَحَقُّقِ الْجَرْحِ فِي أَحَدِهِمَا.