فهرس الكتاب

الصفحة 1318 من 3896

أَعْطِهِ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ.

وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ عُمَرَ أَسْلَفَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَهْدَى إلَيْهِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ ثَمَرَةِ أَرْضِهِ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَأَتَاهُ أُبَيٌّ فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنِّي مِنْ أَطْيَبِهِمْ ثَمَرَةً، وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيمَ مَنَعْت هَدِيَّتَنَا، ثُمَّ أَهْدَى إلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ فَقَبِلَ. وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسِيرَ إلَى أَرْضِ الْجِهَادِ إلَى الْعِرَاقِ. فَقَالَ: إنَّك تَأْتِي أَرْضًا فَاشٍ فِيهَا الرِّبَا، فَإِنْ أَقْرَضْت رَجُلًا قَرْضًا، فَأَتَاك بِقَرْضِك وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ، فَاقْبِضْ قَرْضَك، وَارْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ. رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْت الْمَدِينَةَ، فَلَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ. وَذَكَرَ حَدِيثًا. وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِي: إنَّك بِأَرْضِ فِيهَا الرِّبَا فَاشٍ، فَإِذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَأَهْدَى إلَيْك حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ، فَلَا تَأْخُذْهُ، فَإِنَّهُ رَبًّا. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَوْ أَقْرَضَهُ قَرْضًا، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا، لَمْ يَكُنْ لِيَسْتَعْمِلهُ مِثْلَهُ قَبْلَ الْقَرْضِ، كَانَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً. وَلَوْ اسْتَضَافَ غَرِيمَهُ، وَلَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ جَرَتْ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ، حَسَبِ لَهُ مَا أَكَلَهُ ; لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، فِي"سُنَنِهِ"، عَنْ أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى إلَيْهِ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا، وَلَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ} . وَهَذَا كُلُّهُ فِي مُدَّةِ الْقَرْضِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْوَفَاءِ، فَهُوَ كَالزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(3264) فَصْلٌ: فَإِنْ أَقْرَضَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَقَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فِي الْقَدْرِ، أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ دُونَهُ، بِرِضَاهُمَا، جَازَ. وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ لَهُ بِهَا سَفْتَجَةً، أَوْ قَضَاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، جَازَ. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ قَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ زَادَهُ زِيَادَةً بَعْدَ الْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسِ، وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ يَأْخُذُ مِثْلَ قَرْضِهِ، وَلَا يَأْخُذُ فَضْلًا ; لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ فَضْلًا كَانَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ. وَقَالَ: {خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ: {أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً} . وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلَا وَسِيلَةً إلَيْهِ، وَلَا إلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ، فَحَلَّتْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا زَادَهُ بَعْدَ الْوَفَاءِ، فَعَادَ الْمُسْتَقْرِضُ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مِنْهُ قَرْضًا ثَانِيًا، فَفَعَلَ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ إلَّا مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ، فَإِنْ أَخَذَ زِيَادَةً، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَعْطَاهُ، كَانَ حَرَامًا، قَوْلًا وَاحِدًا. وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، لَمْ يُكْرَهْ إقْرَاضُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُكْرَهُ ; لِأَنَّهُ يَطْمَعُ فِي حُسْنِ عَادَتِهِ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، فَهَلْ يَسُوغُ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ إقْرَاضَهُ مَكْرُوهٌ،

وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِحُسْنِ الْقَضَاءِ خَيْرُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ، وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهِ، وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَشْرُوطَةِ. وَلَوْ أَقْرَضَهُ مُكَسَّرَةً، فَجَاءَهُ مَكَانَهَا بِصِحَاحِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، جَازَ. وَإِنْ جَاءَهُ بِصِحَاحٍ أَقَلَّ مِنْهَا، فَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ حَقِّهِ، لَمْ يَجُزْ، قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ لِلنَّقْدِ بِأَقَلَّ مِنْهُ، فَكَانَ رَبًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت