فهرس الكتاب

الصفحة 1311 من 3896

وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي السَّلَمِ، فَرَوَى الْمَرْوَزِيِّ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو طَالِبٍ، مَنْعَ ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ. وَرُوِيَتْ كَرَاهَة ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ.

وَرَوَى حَنْبَلٌ جَوَازَهُ. وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَكَمُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} .

إلَى قَوْله {: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السَّلَم. وَلِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، فَيَدْخُلُ السَّلَمُ فِي عُمُومِهِ. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْبَيْعِ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ مِنْهُ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الرَّاهِنَ وَالضَّمِينَ إنْ أَخَذَا بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، فَقَدْ أَخَذَا بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَلَكَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَخَذَا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ، فَالرَّهْنُ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَيْءِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا مِنْ ذِمَّةِ الضَّامِنِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ هَلَاكَ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ بِعُدْوَانٍ فَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ يُقِيمُ مَا فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ مُقَامَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ أَخْذِ الْعِوَضِ وَالْبَدَلِ عَنْهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.

(3248) فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَذَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ، ثُمَّ تَقَايَلَا السَّلَمَ، أَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ لِتَعَذُّرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، بَطَلَ الرَّهْنُ ; لِزَوَالِ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ، وَبَرِئَ الضَّامِنُ، وَعَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ رَدُّ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فِي الْحَالِ. وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ. وَلَوْ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، وَأَخَذَ بِهِ رَهْنًا، ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى طَعَامٍ مَعْلُومٍ فِي ذِمَّتِهِ، صَحَّ، وَزَالَ الرَّهْنُ، لِزَوَالِ دَيْنِهِ مِنْ الذِّمَّةِ، وَبَقِيَ الطَّعَامُ فِي الذِّمَّةِ، وَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، كَيْ لَا يَكُونَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.

فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الصُّلْحُ، وَرَجَعَ الْأَلْفُ إلَى ذِمَّته بِرَهْنِهِ ; لِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ ثُمَّ عَادَ خَلًّا. وَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ الدَّرَاهِمِ بِدَنَانِيرَ فِي ذِمَّتِهِ، فَالْحُكْمُ مِثْلُ مَا بَيَّنَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

(3249) فَصْلٌ: وَإِذَا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ ضَمَانِ السَّلَمِ، فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَأَيُّهُمَا قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا مِنْهُ. فَإِنْ سَلَّمَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ الْمُسْلَمَ فِيهِ إلَى الضَّامِنِ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْمُسْلِمِ، جَازَ، وَكَانَ وَكِيلًا. وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ عَنْ الَّذِي ضَمِنْت عَنِّي. لَمْ يَصِحَّ، وَكَانَ قَبْضًا فَاسِدًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْأَخْذَ بَعْدَ الْوَفَاءِ، فَإِنْ أَوْصَلَهُ إلَى الْمُسْلِمِ، بَرِئَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا سَلَّطَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ صَالَحَ الْمُسْلِمُ الضَّامِنَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِثَمَنِهِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ هَذَا إقَالَةٌ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ. وَإِنْ صَالَحَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِثَمَنِهِ صَحَّ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ الضَّامِنِ ; لِأَنَّ هَذَا إقَالَةٌ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى غَيْرِ ثَمَنِهِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.

(3250) فَصْلٌ: وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ، كُلُّ دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت