فهرس الكتاب

الصفحة 1283 من 3896

فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُهُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ. فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُهُ ; لِقَوْلِهِ:"وَكُلُّ مَا فِيهِ الْمَنْفَعَةُ". وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ; لِأَنَّهُ مَائِعٌ خَارِجٌ مِنْ آدَمِيَّةٍ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالْعَرَقِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهِ.

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ لَبَنٌ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، فَجَازَ بَيْعُهُ، كَلَبَنِ الشَّاهِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي إجَارَةِ الظِّئْرِ فَأَشْبَهَ الْمَنَافِعَ، وَيُفَارِقُ الْعَرَقَ، فَإِنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُبَاعُ عَرَقُ الشَّاةِ، وَيُبَاعُ لَبَنُهَا. وَسَائِرُ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ بَيْعُ الْحُرِّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ، وَحَرُمَ بَيْعُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ ; لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ.

(3175) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي بَيْعِ رُبَاعِ مَكَّةَ وَإِجَارَةِ دُورِهَا، فَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَكَرِهَ إِسْحَاقُ ; لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فِي مَكَّةَ: لَا تُبَاعُ رُبَاعُهَا، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا} . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {: مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُ رُبَاعِهَا، حَرَامٌ إجَارَتُهَا.} وَهَذَا نَصٌّ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، فِي"سُنَنِهِ". وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدْعَى السَّوَائِبَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ مُسَدَّدٌ فِي"مُسْنَدِهِ"، وَلِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَلَمْ تُقَسَّمْ، فَكَانَتْ مَوْقُوفَةً، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَسَائِرِ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً، وَلَمْ يُقَسِّمُوهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لَأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ قَالَتْ {: أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي، فَأَرَادَ عَلِيٌّ أَخِي قَتْلَهُمَا، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي، فَزَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلُهُمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت، أَوْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْت يَا أُمَّ هَانِئٍ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ {أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ فَقُتِلَ مِنْهُمْ ابْنُ خَطَلٍ، وَمَقِيسُ بْنُ صَبَابَةَ} ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ رُبَاعِهَا، وَإِجَارَةُ بُيُوتِهَا.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْحُجَّةِ ; لِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قِيلَ لَهُ: أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا ؟ قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رُبَاعٍ ؟} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يَعْنِي أَنَّ عَقِيلًا بَاعَ رُبَاعَ أَبِي طَالِبٍ ; لِأَنَّهُ وَرِثَهُ دُونَ إخْوَتِهِ ; لِكَوْنِهِ كَانَ عَلَى دِينِهِ دُونَهُمَا، فَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ، لَمَا أَثَّرَ بَيْعُ عَقِيلٍ، شَيْئًا، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُمْ دُورٌ بِمَكَّةَ لِأَبِي بَكْرٍ وَالزُّبَيْرِ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، وَسَائِرِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ دَارِهِ، فَهِيَ فِي يَدِ أَعْقَابِهِمْ.

وَقَدْ بَاعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ دَارَ النَّدْوَةِ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِعْت مَكْرُمَةَ قُرَيْشٍ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، ذَهَبَتْ الْمَكَارِمُ إلَّا التَّقْوَى. أَوْ كَمَا قَالَ. وَاشْتَرَى مُعَاوِيَةُ دَارَيْنِ. وَاشْتَرَى عُمَرُ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ.

وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ مَكَّةَ يَتَصَرَّفُونَ فِي دُورِهِمْ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَقَدْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِسْبَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت