فهرس الكتاب

الصفحة 1257 من 3896

أَحَدِهَا، أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ قَصَدَ الْبَادِيَ ; لِيَتَوَلَّى الْبَيْعَ لَهُ. وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْبَادِي جَاهِلًا بِالسِّعْرِ ; لِقَوْلِهِ:"فَيُعَرِّفَهُ السِّعْرَ"، وَلَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ، إلَّا لِجَاهِلٍ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا كَانَ الْبَادِي عَارِفًا بِالسِّعْرِ، لَمْ يَحْرُمْ. وَالثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ قَدْ جَلَبَ السِّلَعَ لِلْبَيْعِ ; لِقَوْلِهِ:"وَقَدْ جَلَبَ السِّلَعَ". وَالْجَالِبُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالسِّلَعِ لِيَبِيعَهَا.

وَذَكَرَ الْقَاضِي شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ ; أَحَدَهُمَا، أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِبَيْعِهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا. وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى مَتَاعِهِ، وَضِيقٌ فِي تَأْخِيرِ بَيْعِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا يَحْرُمُ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ ; وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا إلَّا حَاجَةَ النَّاسِ إلَى مَتَاعِهِ، فَمَتَى اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ، لَمْ يَحْرُمْ الْبَيْعُ، وَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ، فَالْبَيْعُ حَرَامٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْخِرَقِيِّ بِبُطْلَانِهِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ الْحَضَرِيِّ يَبِيعُ لِلْبَدَوِيِّ ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَرُدُّ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ.

وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِكَوْنِ النَّهْيِ لِمَعْنَى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَلَنَا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.

(3105) فَصْلٌ: فَأَمَّا الشِّرَاءُ لَهُمْ، فَيَصِحُّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ. وَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ الشِّرَاءَ لَهُمْ، كَمَا كَرِهَتْ الْبَيْعَ. يُرْوَى عَنْ أَنَسٍ قَالَ، كَانَ يُقَالُ: هِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، يَقُولُ: لَا تَبِيعَنَّ لَهُ شَيْئًا، وَلَا تَبْتَاعَنَّ لَهُ شَيْئًا.

وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ; وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ النَّهْي غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِلشِّرَاءِ بِلَفْظِهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ لِلرِّفْقِ بِأَهْلِ الْحَضَرِ، لِيَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ السِّعْرُ، وَيَزُولَ عَنْهُمْ الضَّرَرُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ لَهُمْ، إذْ لَا يَتَضَرَّرُونَ، لِعَدَمِ الْغَبْنِ لِلْبَادِينَ، بَلْ هُوَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ، وَالْخَلْقُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ عَلَى السَّوَاءِ، فَكَمَا شَرَعَ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ أَهْلِ الْحَضَرِ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَلْزَمَ أَهْلَ الْبَدْوِ الضَّرَرُ. وَأَمَّا إنْ أَشَارَ الْحَاضِرُ عَلَى الْبَادِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَاشِرَ الْبَيْعَ لَهُ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ.

(3106) فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ حَامِدٍ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ، بَلْ يَبِيعُ النَّاسُ، أَمْوَالَهُمْ عَلَى مَا يَخْتَارُونَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: يُقَالُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ أَقَلَّ مِمَّا يَبِيعُ النَّاسُ بِهِ: بِعْ كَمَا يَبِيعُ النَّاسُ، وَإِلَّا فَاخْرُجْ عَنَّا وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ دَاوُد بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ مَرَّ بِحَاطِبٍ فِي سُوقِ الْمُصَلَّى، وَبَيْنَ يَدَيْهِ غِرَارَتَانِ فِيهِمَا زَبِيبٌ، فَسَأَلَهُ عَنْ سِعْرِهِمَا، فَسَعَّرَ لَهُ مَدَّيْنِ بِكُلِّ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قَدْ حُدِّثْت بِعِيرٍ مُقْبِلَةٍ مِنْ الطَّائِفِ تَحْمِلُ زَبِيبًا، وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ بِسِعْرِكِ، فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ فِي السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ تُدْخِلَ زَبِيبَك فَتَبِيعَهُ كَيْفَ شِئْت وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِالنَّاسِ إذَا زَادَ تَبِعَهُ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ، وَإِذَا نَقَصَ أَضَرَّ بِأَصْحَابِ الْمَتَاعِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَنَسٌ قَالَ: {غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا. فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ} قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ. فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدِهِمَا، أَنَّهُ لَمْ يُسَعِّرْ، وَقَدْ سَأَلُوهُ ذَلِكَ، وَلَوْ جَازَ لَأَجَابَهُمْ إلَيْهِ. الثَّانِي، أَنَّهُ عَلَّلَ بِكَوْنِهِ مَظْلَمَةٌ، وَالظُّلْمُ حَرَامٌ، وَلِأَنَّهُ مَالُهُ، فَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت