وَلَنَا، أَنَّ النَّهْيَ عَادَ إلَى النَّاجِشِ، لَا إلَى الْعَاقِدِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبَيْعِ. وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ، فَلَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ، كَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَبَيْعِ الْمَعِيبِ، وَالْمُدَلِّسِ، وَفَارَقَ مَا كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ يُمْكِنُ جَبْرُهُ بِالْخِيَارِ، أَوْ زِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ، لَكِنْ إنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ، كَمَا فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَإِنْ كَانَ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ. وَسَوَاءٌ كَانَ النَّجْشُ بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ الْبَائِعِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُوَاطَأَةِ الْبَائِعِ وَعِلْمِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ بِمُوَاطَأَةِ مِنْهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ، حَيْثُ اشْتَرَى مَا لَا يَعْرِفُ قِيمَتَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْعَاقِدِ، فَإِذَا كَانَ مَغْبُونًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ بِتَلَقِّي الرُّكْبَانِ.
(3100) فَصْلٌ وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ أُعْطِيتُ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ كَذَا وَكَذَا. فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي وَاشْتَرَاهَا بِذَلِكَ، ثُمَّ بَانَ كَاذِبًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّجْشِ.
(3101) فَصْلٌ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ.} مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا تَبَايَعَا، فَجَاءَ آخَرُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَقَالَ: أَنَا أَبِيعُك مِثْلَ هَذِهِ السِّلْعَةِ بِدُونِ هَذَا الثَّمَنِ، أَوْ أَبِيعُك خَيْرًا مِنْهَا بِثَمَنِهَا، أَوْ دُونَهُ أَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ سِلْعَةً رَغِبَ فِيهَا الْمُشْتَرِي، فَفَسَخَ الْبَيْعَ، وَاشْتَرَى هَذِهِ، فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ ; لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ، وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَجِيءَ إلَى الْبَائِعِ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ، فَيَدْفَعَ فِي الْمَبِيعِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اُشْتُرِيَ بِهِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ يُسَمَّى بَيْعًا، فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ. وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَاطِبِ.
فَإِنْ خَالَفَ وَعَقَدَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ عَرْضُ سِلْعَتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ قَوْلُهُ الَّذِي فَسَخَ الْبَيْعَ مِنْ أَجْلِهِ، وَذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الْفَسْخُ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الضَّرَرُ، فَالْبَيْعُ الْمُحَصِّلُ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
(3102) فَصْلٌ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {لَا يَسُمْ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ} وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدِهَا، أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْبَائِعِ تَصْرِيحٌ بِالرِّضَا بِالْبَيْعِ، فَهَذَا يُحَرِّمُ السَّوْمَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ الَّذِي تَنَاوَلَهُ النَّهْيُ. الثَّانِي، أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا فَلَا يَحْرُمُ السَّوْمُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ فِي مَنْ يَزِيدُ فَرَوَى أَنَسٌ: {أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّدَّةَ وَالْجَهْدَ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا بَقِيَ لَك شَيْءٌ ؟ فَقَالَ بَلَى، قَدَحٌ وَحِلْسٌ، قَالَ: فَأْتِنِي بِهِمَا فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَقَالَ مَنْ يَبْتَاعُهُمَا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ ؟ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ ؟ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ، فَبَاعَهُمَا مِنْهُ.} . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَذَا أَيْضًا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، يَبِيعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ.
الثَّالِثُ، أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا عَلَى عَدَمِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّوْمُ أَيْضًا، وَلَا الزِّيَادَةُ ; اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، حِينَ ذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ وَقَدْ