فهرس الكتاب

الصفحة 1236 من 3896

وَقَالَ إِسْحَاقُ لَا يَجُوزُ. لِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ حَالَ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ فِي الْحِسَابِ. وَرَخَّصَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَشُرَيْحٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ مَعْلُومٌ وَالرِّبْحَ مَعْلُومٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: وَرِبْحُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ.

وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَرِهَاهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْجَهَالَةِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْهَا أَوْلَى. وَهَذِهِ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ; لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْجَهَالَةُ يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِالْحِسَابِ، فَلَمْ تَضُرَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ صُبْرَةً كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ بِهِ فِي الْحِسَابِ، فَمَجْهُولٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، فَنَقُولُ: مَتَى بَاعَ شَيْئًا بِرَأْسِ مَالِهِ، وَرِبْحِ عَشَرَةٍ، ثُمَّ عَلِمَ بِتَنْبِيهٍ أَوْ إقْرَارٍ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ تِسْعُونَ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ، كَالْعَيْبِ وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا زَادَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ عَشَرَةٌ، وَحَطَّهَا مِنْ الرِّبْحِ، وَهُوَ دِرْهَمٌ، فَيَبْقَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا.

وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَخْذِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَوْ يَتْرُكُ قِيَاسًا عَلَى الْمَعِيبِ. وَلَنَا، أَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَمَا قَدَّرَهُ مِنْ الرِّبْحِ، فَإِذَا بَانَ رَأْسُ مَالِهِ قَدْرًا مَبِيعًا بِهِ وَبِالزِّيَادَةِ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا، وَالْمَعِيبُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا، فَإِنَّ لَهُ أَخْذَ الْأَرْشِ، ثُمَّ الْمَعِيبُ لَمْ يَرْضَ بِهِ، إلَّا بِالثَّمَنِ الْمَذْكُورِ، وَهَاهُنَا رَضِيَ فِيهِ بِرَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ الْمُقَرَّرِ. وَهَلْ لِلْمُشْتَرِي خِيَارٌ ؟ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ.

نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، وَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِي ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَأْمَنُ الْجِنَايَةَ فِي هَذَا الثَّمَنِ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ بِعَيْنِهِ ; لِكَوْنِهِ حَالِفًا، أَوْ وَكِيلًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ رَضِيَهُ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ، فَإِذَا حَصَلَ لَهُ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ، فَبَانَ صَحِيحًا، أَوْ أُمِّيٌّ، فَبَانَ صَانِعًا أَوْ كَاتِبًا أَوْ وُكِّلَ فِي شِرَاءٍ مُعَيَّنٍ بِمِائَةٍ، فَاشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ.

وَأَمَّا الْبَائِعُ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ; لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ.

(3050) فَصْلٌ وَإِذَا أَرَادَالْإِخْبَارَ بِثَمَنِ السِّلْعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، لَمْ تَتَغَيَّرْ، أَخْبَرَ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ حَطَّ الْبَائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، لَمْ يُجَزِّئْهُ، وَيُخْبِرُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ، لَا غَيْرُ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، لَا يَكُونُ عِوَضًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ، وَيُخْبِرُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَحِقَ بِالْعَقْدِ، وَأَخْبَرَ بِهِ فِي الثَّمَنِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. فَإِنْ تَغَيَّرَ سِعْرُهَا دُونَهَا، فَإِنْ غَلَتْ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِيهَا وَإِنْ رَخُصَتْ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ بِدُونِ الْإِخْبَارِ بِهِ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِخْبَارُ بِالْحَالِ ; فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ، لَمْ يَرْضَهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَكِتْمَانُهُ تَغْرِيرٌ بِهِ. فَإِنْ أَخْبَرَ بِدُونِ ثَمَنِهَا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالتَّغْرِيرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت